أقلام

حين تدرك قِصر الدنيا… يتغيّر كل شيء

أحمد الطويل

مقدمة:

في رحلة الحياة، يظلّ سؤالٌ يطرق وعي الإنسان منذ القدم: كم بقي من الدنيا؟

قد يبدو هذا السؤال غيبيًّا في ظاهره، ولكنه في حقيقته من أكثر الأسئلة ارتباطًا بحياة الإنسان؛ لأنه لا يضيف إلى عمره شيئًا، بل يغيّر طريقة عيشه لما تبقّى منه.

كثيرٌ من الناس يعلم أن الدنيا فانية، لكنه يعيش وكأنها لا تنتهي؛ يؤجّل الخير، ويُسَوِّف، وينسى الغاية التي خُلق لأجلها.

وهنا تتجلّى الحكمة العميقة التي أراد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أن يرسّخها في وعينا: “من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ”.

فكما أن تنوّع الرؤى يكشف الخطأ ويصحّح المسار، فإن فهم حقيقة الدنيا وما تبقّى منها يكشف للإنسان موضع الخلل في حياته، ويعيد توجيهه قبل فوات الأوان.

الدنيا في ميزان الحقيقة

يخيَّل للإنسان أن الدنيا واسعة ممتدة، مليئة بالفرص، قابلة للتأجيل، وكأن العمر لا ينفد.

لكن هذه الصورة تتبدّد حين ننظر إليها بعين أمير المؤمنين عليه السلام، الذي يختصرها بكلمات تهزّ الوعي: “ألا وإن الدنيا قد ولّت حذّاء، فلم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء”.

“لم يبق منها إلا كجرعة في إناء، لو تمزّزها الصديان لم ينقع”.

إنه تصوير ينقل الدنيا من كونها امتدادًا واسعًا إلى بقايا ضئيلة؛ مقدار لا يروي عطشًا، ولا يحقق أملًا.

فليست المشكلة في قِلّة ما تبقّى، بل في تضخيمه داخل وعينا، حتى نتعامل مع القليل وكأنه كثير، ومع الزائل وكأنه باقٍ.

الدنيا في ميزان القرآن

القرآن الكريم لا يكتفي بوصف الدنيا، بل يعيد ضبط وعي الإنسان تجاهها، فيقول: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾، وقال سبحانه و تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾، وقال: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾.

هذا “الاقتراب” لا يُقاس بعدد السنوات التي نعيشها، بل بما مضى من عمر الدنيا قياسًا إلى ما تبقّى منها.

فحين يكون الماضي أطول بكثير من المستقبل، يصبح ما بقي، مهما بدا، قليلًا.

وهنا ينكشف وهم الإنسان: فهو لا يخطئ في الحساب الزمني فحسب، بل يخطئ في تقدير الحقيقة؛ يرى ما أمامه طويلًا لأنه يعيش داخله، لا لأنه كذلك في ميزان الواقع.

مقارنة الماضي بالحاضر

إذا نظرنا إلى الأمم السابقة، وجدنا أن أعمارها كانت تمتد قرونًا طويلة. فقد لبث نبي الله نوح عليه السلام في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، فضلًا عما عاش قبلها وبعدها.

أما اليوم، فقد اختُزل عمر الإنسان إلى عقود محدودة، نادرًا ما تتجاوز المئة، بل إن النبي محمد صلى الله عليه وآله لم يتجاوز عمره ثلاثًا وستين سنة.

وهذا يعني أننا لا نعيش حياة قصيرة فحسب، بل نعيش في مرحلة متأخرة من عمر الدنيا أيضًا.

فنحن نعيش زمنًا قليلًا، ضمن ما تبقّى من زمنٍ أقلّ.

التعامل الصحيح مع الدنيا

الإشكال لا يكمن في قِصر الدنيا، بل في طريقة التعامل معها.

فليس من الصواب أن يُفهم الزهد على أنه تركٌ للدنيا أو انسحابٌ من مسؤولياتها، فهذا خلطٌ يُفرغ الدين من روحه، ويترك المجال للفساد أن يتمدّد.

الإسلام يدعو إلى التوازن: أن تعيش الدنيا بوعي، لا أن تنغمس فيها، ولا أن تنسحب منها.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾

فهذا المتاع ليس غاية، بل اختبار.

والإنسان في هذه الحياة كطالبٍ في قاعة امتحان: الوقت محدود، والفرصة لا تُعاد، وما يضيع لا يُستدرك.

وقد لخّص أمير المؤمنين عليه السلام هذا المعنى بقوله: “إن الله سبحانه قد جعل الدنيا لما بعدها، وابتلى فيها أهلها ليعلم أيهم أحسن عملاً، ولسنا للدنيا خُلقنا، ولا بالسعي فيها أُمرنا، وإنما وُضعنا فيها لنُبتلى بها”.

فالدنيا طريقٌ لا مقصد، وممرٌّ لا مستقر، وفرصةٌ لا ضمان لها.

همس الزمن… كيف تعيش ما تبقّى

حين تتأمل حقيقة قِصر الدنيا، تبدأ الرسائل العملية بالظهور أمام عينيك، كأنها نور يضيء طريقك. حين تدرك قِصر الدنيا، يسقط أول وهم: أن لديك وقتًا كافيًا. فما تستطيع فعله اليوم من عمل صالح، لا تنتظره حتى الغد، فالزمن لا ينتظر أحدًا. ثم تدرك أن الدنيا ليست مقامًا يُستقر فيه، بل طريقٌ يُسلك، ممتدّ بين الامتحان والفرصة، وعليك أن تخوضه بوعي، لا بالغفلة.

وفي كل لحظة تمرّ، يظهر أمامك معنى الاستفادة من الوقت، فكل دقيقة هي جزء من حياتك لن تعود، فاجعلها غنية بالمعنى والإنجاز. ومن حكمة الزمن أيضًا أن تستمع إلى الآخرين، فتنوّع الرؤى يكشف الأخطاء ويصحح المسار، تمامًا كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: “من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ”.

وأخيرًا، تتعلم أن التوازن هو سر العيش الصحيح، بين واجباتك، وعبادة الله، ومتعة الحياة بوعي، مع إدراك أن الفرص محدودة، وأن ما تبقى من حياتك قليل جدًا في ميزانها، لكنه كافٍ إذا أحسنت استثماره.

الخلاصة:

ليس السؤال: كم بقي من الدنيا؟

بل: كم بقي لك أنت منها وكيف تعيش ما تبقّى؟

الخسارة لا تكون في قِصر العمر، بل في غياب الوعي.

نؤجّل وكأن الوقت مضمون، ونغفل وكأن الفرصة باقية، ونخطّط وكأن النهاية بعيدة.

ثم تأتي لحظة لا تُمهل، ولا تُعيد، ولا تقبل التدارك فنكتشف أن ما كان بين أيدينا لم يكن قليلًا، بل كان كافيًا لو أحسنّا استثماره.

وهنا تعود الحكمة لتكتمل: “من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ”.

فمن أدرك حقيقة الدنيا، عرف موضع الخطأ في حياته، وأعاد ترتيبها قبل أن تنقضي.

ليست المشكلة أن الدنيا قصيرة، بل أننا نعيشها وكأنها لا تنتهي.

فإن لم تُدرك قِصرها اليوم… ستدركه حين لا ينفع الإدراك.

تأمل:

هل تعيش الدنيا على أنها طريق… أم مقام؟

فالدنيا لا تنتهي حين تفنى… بل تنتهي حين ينتهي نصيبك منها.

اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همّنا، ولا مبلغ علمنا، واجعلنا ممن يعرفون حقيقتها فيُحسنون العمل فيها قبل فواتها.

المصادر والهوامش

القرآن الكريم

نهج البلاغة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى