
جيهان البشراوي
شهر رمضان، شهر الرحمة والمغفرة، يذكّرنا بأن العمر يمرّ سريعًا، وأن الأيام تخاتلنا أحيانًا، وأن استحضار العمل الصالح والتوبة الصادقة هو السبيل للنجاة قبل لحظة الرحيل.
في خطابٍ إيماني عميق، يمزج الإمام زين العابدين (عليه السلام) بين الوعظ والتأمل النفسي، مستحضرًا معنى البكاء بوصفه حالة وعي ومسؤولية، لا مجرد انفعال عابر:
“وَمالي لا أبكي وَلا أدري إلى ما يَكونُ مَصيري وَأرى نَفسي تُخادِعُني وَأيامي تُخاتِلُني، وَقَد خَفَقَت عِندَ رَأسي أجنِحَةُ المَوتِ”
ينطلق الطرح من حقيقة إنسانية بسيطة: نحن نضحك لأسباب، ونبكي لأسباب. قليلًا ما نتوقف لنسأل: لماذا نفرح؟ ولماذا نحزن؟ فالإنسان حين يعرف سبب ضحكه أو بكائه، يستطيع أن يعالج جذور مشاعره، لا أن يكتفي بمظاهرها. الضحك قد يكون لربحٍ أو نجاح، والبكاء قد يكون لخسارةٍ أو خوف. وأخطر البكاء هو ذاك المرتبط بالمصير، حين يشعر الإنسان أنه مقبل على مرحلةٍ لا رجعة بعدها.
ويؤكد الخطاب أن أخطر ما يواجه الإنسان ليس عدوه الخارجي، بل “نفسه التي بين جنبيه”. فالصراع الداخلي بين العقل والشهوة، بين الوعي والرغبة، هو المعركة الكبرى التي لا تُرى بالعين ولكنها تُحسم في القلب. ولهذا وُصف جهاد النفس بأنه الجهاد الأكبر، لأنه معركة يومية لا هدنة فيها.
ومن الصور البلاغية المؤثرة، تشبيه الموت بطائر يحلّق بعيدًا ثم يقترب تدريجيًا حتى يخفق بجناحيه فوق الرأس، صورة تختصر حقيقة الزمن الذي يمضي بصمت. فالإنسان – كما ورد في المأثور – إن كان الليل والنهار مطيّته، فإنه يُسار به وإن كان واقفًا. تمضي السنوات دون أن نشعر بثقلها، حتى نفاجأ بأن العمر قد انقضى.
ونستشهد بقصة نبي الله سليمان، الذي أوتي ملكًا عظيمًا، وسُخّرت له الريح والجن، ومع ذلك لم يكن بمنأى عن الأجل المحتوم. فالموت لا يستأذن جاهًا ولا يؤخره سلطان، ولا يفرّ منه إنسان مهما أوتي من قوة أو أسباب.
غير أن الرسالة لا تدعو إلى الحزن السلبي أو اليأس، بل إلى “البكاء الإيجابي”؛ ذاك الذي يوقظ الضمير، ويدفع إلى الاستعداد قبل فوات الأوان. فالبكاء هنا ليس انسحابًا من الحياة، بل عودة واعية إليها، بإعادة ترتيب الأولويات ومحاسبة النفس قبل أن تُحاسب.
فلنجعل من رمضان فرصة لمراجعة أعمالنا، ومحاكمة أنفسنا بصدق، والاستعداد للحظة الرحيل بعمل صالح ونية صافية. دمعة اليوم قد تصنع يقظة غدًا، وتحوّل خوف المصير إلى قوة تدفعنا لنعيش كل يوم بوعي ومسؤولية.




