أقلام

نحن لا نجهل الحق نحن نهرب منه

أحمد الطويل

مقدمة:

القلب أم العقل؟

ليس سؤال معرفة، بل سؤال مصير.

لماذا يعرف الإنسان الحق ثم لا يعيش به؟

ولماذا لا يكون الجهل أخطر أمراضه، بل التعايش الواعي مع الخطأ؟

في كل الأزمنة، لم يكن الإنسان كائنًا ضائعًا في الفهم بقدر ما كان متردّدًا في الالتزام. يعرف، ثم يؤجّل. يقتنع، ثم يبرّر. وكأن المعرفة، مهما بلغت، لا تملك وحدها سلطة الهداية.

من هنا يولد السؤال القديم الجديد: من الذي يقود الإنسان في رحلته إلى الله؟ العقل أم القلب؟

ليس هذا السؤال ترفًا فلسفيًا، بل جرحًا مفتوحًا في التجربة الإنسانية؛ لأنه يفسّر لماذا يصل بعض الناس إلى الله بعقول بسيطة وقلوب صادقة، بينما يضل آخرون وهم يحملون أذكى العقول وأكثرها جدلًا، وأغزرها استدلالًا.

العقل: دلالة الطريق لا السير فيه

العقل في الرؤية القرآنية ليس خصمًا للإيمان، بل شرطه الأول. به يُعرف الله، وتُفهم الرسالة، ويتميّز الحق من الباطل. لهذا يخاطبه القرآن باستمرار: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.

لكن القرآن نفسه يضع حدًّا لوظيفة العقل: فهو أداة إدراك، لا محرّك سلوك.

العقل يرى ويحلّل ويقيم الدليل، لكنه عاجز عن إجبار القلب على النزاهة.

كم من إنسان عرف الحق عقليًا، لكنه لم يحتمل كلفته الأخلاقية؟

وكم من عالمٍ برّر الظلم بعقله، لا لأنه يجهل قبحه، بل لأن قلبه تعلّق بغير الله؟

العقل يرسم الخريطة، ولكنه لا يحمل الإنسان على السير. يدلّه على الطريق، لكنه لا يمنحه الشجاعة لقطعه. ولهذا كان الانحراف في جوهره غالبًا انحراف قلب، لا قصور عقل.

القلب: محلّ التوجّه ومركز القرار

القلب، في مدرسة القرآن وأهل البيت، ليس مجرّد عاطفة، بل موضع الإرادة والاختيار.

قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.

العمى الحقيقي ليس فقدان الرؤية العقلية، بل فقدان البصيرة القلبية.

ولهذا يختصر أمير المؤمنين عليه السلام المشهد بقوله: “إن الله سبحانه جعل الذكر جلاءً للقلوب، تسمع به بعد الوقرة، وتبصر به بعد العشوة”.

القلب يمكن أن يعرف الحق ثم يفرّ منه، لا لأنه غامض، بل لأنه مكلف. ويمكن أن يعرفه ثم يحتمله.

هنا فقط تتحدد وجهة الإنسان.

العقل يقول: هذا حق.

والقلب يقرّر: هل ألتزم أم أبحث عن مخرج؟

حين يصبح العقل خادمًا لما يحبّه القلب

الفيض الكاشاني يقدّم تشخيصًا بالغ العمق حين يقول (مضمونًا) إن القلب إذا تعلّق بغير الله، سخّر العقل لتبرير هذا التعلّق مهما كان باطلًا.

وهنا تتشكّل أخطر أنواع الضلال: عقول ذكية، خطاب ديني متقن، أدلة مرتّبة، لكن الوجهة منحرفة.

كم من ظلمٍ بُرّر باسم الحكمة؟

وكم من انحراف دافع عن نفسه باسم العقل؟

المشكلة لم تكن في ضعف التفكير، بل في قلب لم يرد الحق إلا بقدر ما يخدم راحته. ولهذا قال تعالى:

﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾.

الشرح هنا للقلب، والنور يفيض منه إلى العقل، لا العكس.

مدرسة أهل البيت: توازن لا صراع

أهل البيت عليهم السلام لم يصنعوا صراعًا بين العقل والقلب، بل رفضوا الفصل بينهما.

العقل بلا قلب حيّ يتحوّل إلى جدل بارد، والقلب بلا عقل منير يتحوّل إلى تدين عاطفي هشّ.

ومن هنا تأتي الفكرة البلاغية التي تُختصر عادة في تعبيرات مثل: “العاقل من دان الله بعقله”، أي من جعل معرفته لله والتزامه لله لا تثبّطها نفسه أو هواها.

لم نقل من فكّر، بل من دان؛ أي من جعل المعرفة التزامًا.

وأخطر ما حذّروا منه ليس الجهل، بل عقلٌ يعرف وقلبٌ يتهرّب.

الهداية لا تفشل عند حدود الفهم، بل عند أول اختبار للصدق. ولهذا كان الإيمان مراتب، لا تُنال دفعة واحدة، بل بتدرّج القلب في الصدق، والخشية، والمحبة، والإخلاص.

لماذا نعرف ولا نعمل؟

السؤال المؤلم ليس: لماذا نجهل؟

بل: لماذا نعرف ثم لا نتحرّك؟

لأن القلب لم يُربَّ على تحمّل تبعات المعرفة.

نقبل الحقيقة ما دامت لا تكلّفنا، فإذا كلّفتنا، بدأ العقل يبحث عن المخارج

لا ليُنقذ الحقيقة، بل ليُنقذ راحة القلب.

ومن هنا نفهم قول النبي ﷺ: “ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله”.

صلاح القلب ليس حالة وجدانية، بل استعداد لتحمّل الحق حين يصبح ثقيلًا.

الخلاصة:

ليس السؤال الحقيقي في رحلة الإنسان إلى الله: أيّهما أهم، القلب أم العقل؟

بل السؤال الأخطر: هل نملك الشجاعة لنعيش ما فهمناه؟

العقل، مهما بلغ من النضج، لا يقود الإنسان إلا إلى عتبة الطريق. يعرف، يميّز، يحلّل، ويقيم الدليل، لكن القرار الأخير لا يُتخذ في الذهن، بل في موضع أعمق: في القلب، حيث تُحسم النيات، وتُرتّب الأولويات، ويُختار إمّا الثمن أو السلامة.

لم يكن الضلال في تاريخ البشر نتيجة غياب العقل، بل نتيجة قلبٍ لم يحتمل الحقيقة حين أصبحت مُكلفة. عرف الإنسان الحق، ولكنه لم يُحبّ تبعاته. أدرك الصواب، ولكنه خاف خسائره. فبدأ العقل، بدل أن يقود، يبرّر ويؤوّل ويبحث عن مخارج تُبقي القلب مطمئنًا.

مدرسة القرآن وأهل البيت لا تطلب من الإنسان أن يُلغي عقله، ولا أن يتديّن بعاطفة عمياء، بل أن يُعيد ترتيب القيادة في داخله:

عقلٌ يُبصر الطريق، وقلبٌ يختاره، ونفسٌ تمشي فيه وإن ثقل.

الهداية ليست أن نعرف أكثر، بل أن نكون أصدق مع ما نعرفه. وليست أن نُحسن الكلام عن الإيمان، بل أن نسمح له بأن يغيّر قراراتنا الصامتة، تلك التي لا يرانا فيها أحد.

هناك فقط تبدأ الرحلة الحقيقية إلى الله، لا كما نحبّ أن نتصوّرها، بل كما أرادها لنا.

وهنا لا يعود السؤال: أين الحق؟ بل: لماذا لا نريده؟

أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان ليس أن يجهل الحق، بل أن يعرفه جيدًا ثم يتعوّد العيش بدونه.

اللهم نوّر عقولنا بمعرفتك، وأحيِ قلوبنا بصدق التوجّه إليك، ولا تجعلنا ممّن عرفوا الحق بعقولهم ثم تخلّفوا عنه بقلوبهم. اللهم ارزقنا فهمًا لا ينفصل عن الطاعة، وقلبًا يحتمل كلفة الهداية، واجعل سيرنا إليك سير صدق لا ادّعاء، بحق محمد وآل محمد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى