
بشائر: الدمام
أظهرت التطورات الأخيرة في منطقة الخليج قدرة المملكة العربية السعودية على تحويل استثماراتها الطويلة الأمد في البنية التحتية إلى منظومة تشغيل فعّالة في أوقات الأزمات، ما مكّنها من امتصاص صدمة اضطراب الملاحة في مضيق هرمز وتوفير مسارات بديلة لتأمين الطاقة والغذاء للمنطقة.
ووفقاً لتقرير اقتصادي نشره موقع “الشرق”، وصف وزير المالية محمد الجدعان هذا الوضع بأنه “اختبار عملي” للاستثمارات طويلة الأمد في البنية التحتية، مؤكداً أن الاستثمارات التي تمت على مدى عقود باتت اليوم أداة لإدارة إمدادات الطاقة عالمياً. وسانده في ذلك محافظ صندوق الاستثمارات العامة ياسر الرميان الذي شدّد على مرونة ومتانة المحفظة الاستثمارية للمملكة.
النفط: مسار بري بديل يتجاوز مضيق هرمز
يُعد مضيق هرمز ممراً لنحو 20 مليون برميل نفط يومياً، غير أن خط أنابيب “شرق–غرب” (بترولاين) برز كعمود فقري في الاستجابة السعودية للأزمة، عبر نقل الخام من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.
وبحسب بيانات “بلومبرغ”، قفزت الصادرات عبر هذا الخط إلى 3.8 ملايين برميل يومياً في مارس، مقارنة بنحو 0.8 مليون برميل يومياً في يناير وفبراير، مع قدرة استيعابية تصل إلى 5 ملايين برميل يومياً، وإمكانية رفعها إلى 7 ملايين برميل في حالات الطوارئ عبر تحويل بعض خطوط الغاز الموازية. هذا التحول منح السعودية ميزة تنافسية وقدرة على تأمين تدفقات الطاقة بعيداً عن مناطق التوتر.
التجارة والأمن الغذائي: موانئ البحر الأحمر بوابة بديلة
لم تقتصر الاستجابة على قطاع النفط؛ ففي ظل اعتماد دول الخليج على الواردات لتأمين نحو 85% من احتياجاتها الغذائية، بما يعادل 30 مليون طن من الحبوب سنوياً، عززت الهيئة العامة للموانئ “موانئ” الربط البحري عبر إضافة خمس خدمات شحن جديدة بالتعاون مع شركات عالمية، بينها MSC وMaersk، بطاقة تتجاوز 63 ألف حاوية قياسية.
وتحوّلت موانئ جدة الإسلامي والملك عبدالله وينبع على البحر الأحمر إلى نقاط ارتكاز رئيسية، ليس للمملكة فحسب، بل لإعادة توزيع البضائع براً إلى الكويت والبحرين وقطر والإمارات وسلطنة عُمان، مدعومة بتسهيلات جمركية وتسارع في الطلب على المستودعات والخدمات اللوجستية.
السكك الحديدية والطيران: تعزيز الممرات الداخلية
دعمت المملكة هذه التحركات بتفعيل الربط بالسكك الحديدية، حيث أطلقت الشركة السعودية للخطوط الحديدية “سار” ممراً لوجستياً يربط موانئ المنطقة الشرقية بمنفذ الحديثة باتجاه الأردن، بطول يصل إلى 1700 كيلومتر، ما أسهم في تقليص زمن الرحلة إلى النصف تقريباً.
كما تم تشغيل قطارات حاويات إضافية بطاقة تصل إلى 2500 حاوية يومياً، مع استخدام مطارات سعودية كبدائل تشغيلية لحركة الطيران المتأثرة بالأزمة في بعض المسارات الإقليمية.
الاستقرار المالي والتصنيف الائتماني
انعكست هذه الجاهزية في البنية التحتية واللوجستية على ثقة المؤسسات الدولية، حيث ثبتت وكالة “ستاندرد آند بورز” للتصنيف الائتماني تصنيف المملكة عند درجة “A+” بنظرة مستقبلية مستقرة.
ويستند هذا التقييم إلى عدة عوامل، من بينها سعة تخزينية نفطية تصل إلى نحو 30 مليون برميل، وأصول أجنبية لدى البنك المركزي بلغت 1.698 تريليون ريال بنهاية فبراير 2026، إلى جانب نمو قوي في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5% خلال الربع الأخير من عام 2025.
وتؤكد هذه المؤشرات أن البنية التحتية السعودية لم تعد مجرد أصول محلية، بل تحولت إلى صمام أمان لوجستي ومالي لدول الخليج، معززة دور المملكة كلاعب محوري في استقرار أسواق الطاقة والتجارة بالمنطقة.




