أقلام

الزلة الأولى: بداية الطريق أم بداية السقوط (٢)

السيد فاضل آل درويش

بعد ارتكاب الإنسان أول خطأ في حياته يقف حينها عند مفترق طرق يحدد مساره بعدها، فإما أن يكون ذلك الخطأ – بعد وقوفه أمام مرآة النفس والمحاسبة – نقطة مضيئة في حياته ويشكل بداية تتنوّر بيقظة روحية، فيعمل جاهدًا على تجنب كل الوسائل والمسببات لانزلاقه في طريق الخطايا، وإما أن يتخذ طريقًا بخلاف الاعتراف والإقرار بالخطيئة ويتخلّى عن مسؤولية التصحيح والمعالجة، فينزلق نحو وهم التبرير وتصغير شأن الخطأ وعدم استحقاقه شأن المحاسبة والتفكير في عواقبه، مما يشكّل بداية السقوط التدريجي في تسلسل للأخطاء يتوالى دون رادع عن التوقف، وهذا موضع مقتل الإنسان في خطاه حيث يسير كالأعمى ويتصرّف كما يحلو له؛ ليواجه بعد ذلك الحساب الإلهي والعقاب الأخروي جراء ما اقترفت يداه وقد أوصل نفسه إلى الخسران المبين، بخلاف الآثار الدنيوية لتسلسل ارتكاب الأخطاء حيث يسقط من أعين الناس، لسيره المخالف لغريزة حب النفس الإيجابي وطلب أعلى درجات التألق والتكامل لها.

ومن الناحية الأخلاقية فإن الاستدارة عن طريق الخطايا والتفكير الجاد بتجنبها والعمل الحثيث للابتعاد عن دائرة مسبباتها وآلياتها تسمّى بالتوبة، وبداية طريق التوبة النصوح ينطلق من النظر إلى عواقب الأمور والآثار المترتبة على فعل الخطيئة، وتدوينها في صحيفة أعمال الإنسان ومواجهته بها يوم القيامة ليُساءل عنها ويحاسب ويجازى عليها، وهذا ما يقوّي بصيرته وانبعاث إرادته نحو التوقف عن ذلك وإبداء الندم الشديد على ما صدر منه من فعل قبيح، وهذا الندم ليس بشعور عاطفي آني سرعان ما يتلاشى تأثيره ويتبخّر، بل هو وقفة عقلية وتخاطب مع النفس يوقفها عن غيها ويبين لها المآل لتسلسل الخطايا، ولهذا فإن الندم الحقيقي يمثّل تموضعًا جديدًا للنفس يصحح من خلاله الفرد مساره وعلاقته بالله تعالى، وتبدي النفس انكسارًا وخجلًا من خطيئة يراه عليها المنعم والمتفضّل عليه بآلاء لا تُحصى.

بعد صدور الخطأ من الإنسان الواعي والمتحمّل لمسؤولية أفعاله، يبدأ فيه انبعاث صوته الداخلي المُصدِر لجرس الإنذار والتنبيه، يدعوه للتوقف والنظر فيما صدر منه والتعامل معه بجدية وخطوة علاجية، فذلك الصوت الداخلي يدعوه إلى التوصيف المهني (العقلائي) بعيدًا عن العواطف والمجاملات مع النفس والانفعالية الحادّة، فيوصّف ما حدث منه بأنه فعل خاطيء ولا يصح صدوره من أي إنسان آخر وهذا ما نسميه بمرحلة الاعتراف، فإن حب النفس السلبي يدعو الفرد نحو التخلية من المسؤولية والتهرب من تحمّلها، وذلك من خلال محاولة الهروب إلى الأمام بتقديم المبررات الواهية والأعذار غير المقبولة، والمكر الشيطاني يتحرك في هذا الإطار بمحاولة تخفيف وطأة الفعل على صاحبه وتحريك النفس نحو المحافظة على نقائها ونزاهتها، فيصوّر الموقف وكأنه لا يستحق التوقف عنده كما أن الكثير من الناس يرتكبونه!!!

وهذا ما يمثل الخطوات الأولى نحو طريق الانحراف والغواية، فهذا طريق لا يتحقق دفعة واحدة بل هو وليد غفلة وتجاهل لصدور الأخطاء حتى يتغلغل في النفس تأثيرها على الفرد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى