
أمير بوخمسين
كثيرًا ما يُقابل التجديد بالخوف، وكثيرًا ما نُربي أبناءنا على الحذر من المختلف، حتى صارت المجتمعات تخشى السؤال أكثر مما تخشى الجهل، وتخاف الفكرة الجديدة أكثر مما تخاف التخلّف نفسه.
ولكن الحقيقة التي لا مهرب منها، أنّ الحياة كلّها قائمة على التجديد. والتجديد لا يأتي دائمًا في هيئة اختراع عظيم أو ثورة ضخمة، بل قد يبدأ من إنسان قرر أن يغير طريقته في التفكير، أو موظف رفض الرتابة القاتلة، أو معلم آمن بأن التعليم ليس تلقينًا، نحتاج إلى التجديد حين تصبح الطرق القديمة عاجزة عن حل أزمات الحاضر. ونحتاجه حين تتغير الدنيا من حولنا بينما نحن ما نزال نتعامل بعقل الأمس. وإن من أعظم أخطاء المجتمعات، أنها أحيانًا تخلط بين الثوابت والوسائل.
فتتعامل مع الأساليب البشرية المؤقتة وكأنها مقدسات، بينما الحقيقة أن كثيرًا مما نراه “ثابتًا” ليس سوى عادة قديمة طال بها العمر. لذلك التجديد يبدأ أولًا من العقل. من قدرة الإنسان على الاعتراف بأن المعرفة لا تنتهي، وأن الحقيقة أوسع من تجربته الشخصية. ويحتاج التجديد إلى طرق متعددة يمكن تلخيصها في أدوات عملية تساعدنا على “تحريك” التفكير نحو الجديد، كالتعلّم المستمر ومواكبة المعرفة عبر متابعة المصادر الموثوقة (كتب، أبحاث، دورات). وعدم الاكتفاء بما تعلمناه سابقًا. وإعادة قراءة التراث وفق أسئلة الحاضر، وذلك بأن لا نرفض “التراث” بل فهمه من جديد.. ما المقصود؟ وما التطبيق؟ وما الظروف التي تغيّرت؟، والتمييز بين النص/الأصل وطريقة الفهم/التطبيق. واتباع المنهج النقدي ” المساءلة والتمييز بين الرأي والدليل، والحوار والتعددية بالاستماع لوجهات نظر مختلفة وتقييمها بدل “محاصرة الرأي الآخر والحوار المنضبط الذي يحدّ من التعصب ويزيد دقة الفهم.” وتحليل الواقع باستخدام البيانات والتجربة، والتفكير المنظم في صياغة الفكرة، وبناء أطر قيم وأخلاقيات للتجديد. والتجديد هو مراجعة الأفكار وتحديثها بما يتوافق مع تغيّر الواقع، وتقدّم المعرفة، وحاجات المجتمع. وأهميته تظهر في نقاط مثل.. مواجهة الجمود والتكرار ويمنع تحوّل الأفكار إلى قوالب جامدة لا تواكب الزمن، وتصحيح الأخطاء والمغالطات إذ يعيد النظر في الموروثات أو الاستنتاجات التي ثبت ضعفها أو تغيّر سياقها. والاستجابة للتحديات الجديدة.. مثل التحولات الاقتصادية، والتكنولوجيا، قضايا الهوية إلخ. وتطوير حلول أكثر واقعية، لأن التجديد يجعل التفكير أقرب إلى “ماذا نحتاج الآن؟” بدل الاكتفاء بـماذا كان يُقال سابقًا؟”.. إلى التعليم الحر، والقراءة، والحوار، والانفتاح على العالم، واحترام العلم، وإعطاء الفرصة للشباب، وتشجيع النقد بدل معاقبته.
كما يحتاج إلى بيئة لا تخاف الخطأ، لأن المجتمعات التي تعاقب على كل محاولة، تقتل الإبداع في مهده.
وحين ينجح التجديد، تتغير حياة الناس كلها. يتحسن التعليم، وتنهض المؤسسات، ويصبح العمل أكثر كفاءة، ويقل الظلم، ويشعر الإنسان أن له قيمة في وطنه. ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لأمة، أن تظن أن ما لديها يكفيها إلى الأبد. فالتاريخ لا يرحم المتأخرين، والزمن لا ينتظر المترددين.




