أقلام

مع كتاب (الإنسان والبحث عن معنى)

عبد الله الرستم

اسم الكتاب: الإنسان والبحث عن المعنى “التسامي بالذات كظاهرة إنسانية”

المؤلف: فيكتور إميل فرانكل

المترجم: عبد المقصود عبد الكريم

دار النشر: صفحة 7 – الجبيل

تاريخ الطبعة: الثانية – 2023م

عدد الصفحات: 216 صفحة

التعريف بالكتاب:

يتحدث الكتاب عن محطة من محطات حياة المؤلف في معسكر أوشفيتز بألمانيا إبّان الحرب العالمية الثانية، والتي كتبها بنفسه، – والمؤلف طبيب نفسي نمساوي، ويُعد أحد الناجين من الهولوكوست – وما تعرّض له من ظروف قاسية في إحدى محطات حياته، ويستعرض أدق التفاصيل إبان اعتقاله في المعسكر المذكور بشكل مفصّل، والذي ما إن يدخله شخص فإنه يموت بفعل التعذيب القاسي أو المرض أو الحرق في الأفران أو نحو ذلك؛ إلا أن المؤلف يرى من زوايا مختلفة شأن تلك الزوايا أن تصنع الإرادة في الداخل؛ لتحاول العيش وتفكر بالأمل الذي من أجله تعيش النفس البشرية، حيث يرى (فيكتور) بعض المناظر التي كان يراها باعثاً على إرجاء عقوبة الموت، في حين أن بعض السجناء كان يفكّر بالانتحار من خلال الوصول إلى الأسلاك الشائكة والمشحونة بالكهرباء لينهي حياته.

في حين أن (فيكتور) كان يرى شيئًا آخر رغم عدم صعوبة اتخاذ قرار الانتحار بالنسبة له، حيث المواقف المتكررة والمليئة بؤسًا من مناظر التعذيب والأعمال الشاقة والمعاملة القاسية تشي بحالةٍ من تبلّد المشاعر، وعدم الاكتراث من المناظر المؤلمة والمتكررة. في مواقف أخرى كان (فيكتور) يعيش أدوارًا مختلفة بحكم اختصاصه الطبّي، مثل: أن يقوم أحد عمّال الحراسة ببث شكاواه الوجدانية ومشاكله الزوجية إبّان الفترة التي يقضونها معاً، والتي شكّلت ارتياحًا لهذا الشخص تجاه (فيكتور)، حيث يقوم (فيكتور) بتشخيص الحالة وإعطائه بعض العلاجات أو الممارسات للقضاء على تلك المشاكل، فتكون نتائجها جيدة، والتي انعكست على تعامل الموظف بشكل جيّد مع (فيكتور).

وتستمر المعاناة في انتقال السجناء من معتقل لآخر، لتتشكل أمام المعتقلين حالات من الإحباط النفسي، أو الأحلام والكوابيس المزعجة، ومما يؤرّقهم أنهم يفتحون جراحات بعض عبر الحديث عن عوائلهم التي لا يعلمون عنها شيئاً، أو بالحديث عن كمّية الطعام القليلة المقدمة لهم، التي أثّرت على تفكيرهم وقِوَاهم الجسدية، وتارة أخرى يحاولون الخروج من هذه الأجواء عبر تبادل الأناشيد أو الرقصات والتصفيق، وهذا التصرف الأخير كان يمنحهم أملًا بسيطًا في العيش، وأنه عليهم أن يعيشوا اللحظة بكل تشكّلاتها، ولذا يقول (فيكتور) ص74: (إن محاولة تطوير الإحساس بروح الدعابة ورؤية الأشياء في ضوء روح الدعابة نوعٌ من الحِيَل التي يتعلّمها المرء في أثناء إتقان فن الحياة، ومع ذلك، من الممكن فن ممارسة فن الحياة حتى في معسكر من معسكرات الاعتقال، رغم انتشار المعاناة في كل مكان).

في الصفحة 80، بدأت حياة (فيكتور) تأخذ منحىً آخر في المعتقل، وهو العمل متطوّعًا بحكم اختصاصه الطبي، وفي هذا الفصل أشار إلى أمر هام، وهو قوله: (كنت أعرف أنني قد أموت في فرقة عمل في وقت قصير، ولكن إذا كان عليّ أن أموت فقد يكون هناك على الأقل معنىَ لموتي وأنا أعمل مع المرضى)، والجميل أن (فيكتور) ينقل آراء علماء وروائيين متعددين، ويستشهد بأقوالهم في هذه المذكرات، مثل: ديستوفيسكي وتولستوي وسبينوزا ونيتشه، وغيرهم، بمعنى: كيف لمعتقل أن يتذكر كل هؤلاء وما قالوه، وهو يعيش أوضاعاً مختلفة تحمل في طيّاتها أنواع المآسي التي من شأنها مصادرة مشاعر الأمل والطموحات المستقبلية، إلا أنه يستحضر تلك الأقوال كونها تشكّل جُرعة أملٍ يحقنها عقله لتمرّ إلى شرايينه فتتدفق نبضات عبر القلب لتصنع إرادة المعنى الذي يصبر ليعيش من أجله، وإلا فعبارة نيتشه التي تقول: (من لديه سببٌ يعيش من أجله يتحمّل غالباً الحياة كيفما كانت)، فإنها تشكل جُرعة وطاقة جديدة في ظروفٍ عاشها (فيكتور).

يتحدث (فيكتور) في الصفحات بعد 80 عن تساؤلات وتفسيراتٍ لكثير من السلوكيات التي شاهدها في المعتقل، سبب اختيار حارسٍ ساديٍّ اختير لهذه المهمة، حتى أن اسمه كان مخيفًا لكثير من السجناء، ويتساءل عن الحارس -أي حارس- عن سبب إقدامه على تعذيب أناس مثله يتكونون من لحمٍ ودمٍ ومشاعر وووو، في حين ينقل الصورة الأخرى من الحُرّاس المتعاونين، الذين جرّبوا السجن أو الاعتقال في وقت سابق حيث كانوا لطيفين أو أقل شراسة من الحارس الساديّ، ولولا أن (فيكتور) عاش قصص الاعتقال بكل حيثياتها لما استوعب ما سمعه من معتقلين سابقين، فلو أن طبيبًا آخر سمع بذلك ولم يجرّب الاعتقال وأهواله، لما صدّق تلك القصص ولَوَصَفَ أن الذين يحكونها مصابون بالهَذَيَان.

في الجزء الثاني من الكتاب يتحدث (فيكتور) عن نظريته “العلاج بالمعنى” مقابل نظرية فرويد “مبدأ اللذّة” ومقابل نظرية أدلر “مبدأ القوّة”، ويفرّق بين المعالج السلوكي والطبيب النفسي؛ ليصنع لنفسه نظرية ترتكز على “العلاج بالمعنى”، الذي يعنيه ذلك قوله: (إن الإنسان والبحث عن المعنى هو الدافع الرئيس في حياته وليس “تبريراً ثانوياً” للدوافع الغريزية)، وقد استشهد (فيكتور) كما ذكرتُ أعلاه بأقوال بعض العلماء، في حين أنه في هذا الجزء يشرح النظرية التي يؤصّل لها، وهي أن لكل إنسان يعيش لأجل معنى، هذا المعنى قد يكون خفياً، وقد يكون ظاهرًا، ففي كلا الأمرين فإنه يعيش لأجل أمر ما (لأجل شخص، لأجل أمر ما …الخ)، وقد أكّد ذلك من خلال الاستبانات التي عُملت بأن كثيرًا من الناس يفوق ما نسبتهم (50%) يعيشون لأجل معنى محدد، في حين أن الإنسان الذي يعيش من غير معنىً فإنه معرّض لأمور سلبية تنعكس على نفسيته وسلوكه، وأن لكل حالة مصابة بالفراغ الوجودي بحاجة إلى طريقة خاصة في علاجها، وذلك من خلال فحصها بشكل مفصّل للتعرّف على تفاصيل وحيثيات تلك الشخصية الخاصة.

كما يضيف (فيكتور) ص151 أن العلاج بالمعنى (ليس تعليمًا ولا وعظًا، إنه بعيد كل البعد عن التفكير المنطقي، بقدر ما هو بعيد عن الحث الأخلاقي) بل إن دور أخصائي العلاج بالمعنى قدرته (من توسيع المجال البصري للمريض، بحيث يصبح الطيف الكامل للمعنى المحتمل في مجال إدراكه ورؤيته)، مع تأكيده على أن بعض الحالات لا تُعد حالات مرضية أو أنها فقدت معنى الحياة؛ بل إنها بحاجة إلى توسيع دائرة التفكير بالمعنى الذي من أجله يعيش الإنسان.

يشار في هذا الصدد أن (فيكتور) قد أكثر من الشواهد والقصص لدعم الفكرة/النظرية التي يؤمن بها، وهو ما يعزز أن الإنسان يعيش لأجل معنىً، شأن هذا المعنى أن يمنح الإنسان سعادة وأملاً وقوّة داخل نفسه لكي يتجاوز العقبات التي تعيقه من تحقيق المعنى الذي من أجله يعيش.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى