أقلام

قبل أن تلوم الآخرين غيّر قواعد اللعبة

غسان بوخمسين

قبل أن نلوم الناس على تصرفاتهم، ربما يجدر بنا أن نتوقف ونسأل: هل المشكلة فعلًا في نواياهم، أم في “قواعد اللعبة” التي يتحركون داخلها؟ كثير من خلافاتنا اليومية تبدو في الظاهر صراعًا بين أخلاق حسنة وأخرى سيئة، ولكن نظرة أعمق تكشف أن البشر غالبًا ما يتصرفون وفق ما تفرضه عليهم البيئة من حوافز وتوقعات، لا وفق ما يريدونه في قرارة أنفسهم.

هذه الفكرة تبلورت في ذهني حين استعدت مشهدًا شهيرًا من فيلم “عقل جميل” A Beautiful Mind عن عالم الرياضيات جون ناش، ثم قادني الفضول إلى قراءة أعمق في نظرية الألعاب. اكتشفتُ حينها أن كثيرًا من التوترات التي نعيشها ليست خلافات شخصية بحتة، بقدر ما هي نتائج طبيعية لبنية العلاقات ذاتها.

ظهرت نظرية الألعاب في أربعينات القرن الماضي على يد جون فون نيومان وأوسكار مورغنسترن، اللذين سعيا إلى بناء إطار رياضي يفسر كيف يتخذ البشر قراراتهم عندما تتشابك مصالحهم وتتقاطع توقعاتهم. كان هدفهما فهم السلوك في المواقف التي لا يملك فيها الفرد حرية كاملة، بل يتحرك داخل شبكة معقدة من الاحتمالات وردود الأفعال المتبادلة. وسرعان ما أصبحت هذه النظرية أداة أساسية لتحليل التفاوض والصراع والتعاون في مجالات شتى: الاقتصاد والسياسة وعلم النفس والعلاقات الاجتماعية.

ثم جاء جون ناش ليضيف مفهومًا ثوريًّا هو “توازن ناش”، الذي يصف الحالة التي يستقر فيها سلوك جميع الأطراف، لأن كل لاعب يدرك أن تغيير إستراتيجيته بمفرده لن يحقق له نتيجة أفضل. هذا المفهوم كشف لنا حقيقة مهمة: البشر لا يتصرفون وفق رغباتهم الخالصة فقط، بل وفق ما يتوقعونه من الآخرين، وما يتوقعون أن يتوقعه الآخرون منهم. فتصبح قراراتنا سلسلة معقدة من التوقعات المتبادلة أكثر من كونها اختيارات فردية بسيطة.

أشهر مثال على ذلك “معضلة السجينين”. سجينان يُستجوبان كل على حدة. لو صمتا معاً لنالا عقوبة خفيفة، ولكن خوف كل منهما من أن يخونه الآخر يدفعه إلى الاعتراف، فيخسران معاً. هنا لا تكمن المشكلة في الأخلاق، بل في الحوافز: الخوف وانعدام الثقة يقودان الجميع إلى الخيار الأسوأ جماعيًّا، رغم أنه يبدو الأكثر أمانًا لكل فرد على حدة.

ولا تقتصر الأمثلة على معضلة السجينين. هناك أيضًا “لعبة الصقر والحمامة” التي توضح كيف تنشأ النزاعات عندما يميل بعض الأفراد إلى السلوك العدواني بينما يفضل آخرون السلم. في هذه اللعبة، لا يوجد خيار مثالي واحد للجميع، بل تعتمد النتائج على نسبة “الصقور” إلى “الحمائم” في المجموعة. هذا الأنموذج يفسر بوضوح لماذا تتصاعد التوترات في العمل أو داخل العائلة عندما يختار البعض المواجهة ويختار الآخرون التهدئة. المشكلة غالبًا ليست في طباع الناس، بل في التوازن المختل بين إستراتيجياتهم.

ومن أهم المفاهيم التي يغفلها الكثيرون: “الألعاب غير الصفرية”. فليست كل علاقاتنا قائمة على رابح وخاسر. في معظمها يمكن للطرفين أن يربحا معًا أو يخسرا معًا. الزواج، الصداقة، العمل الجماعي، وحتى العلاقات بين الدول — كلها ألعاب يمكن أن تؤدي إلى نتائج “رابح-رابح” أو “خاسر-خاسر”. ولكننا غالبًا ما ندخلها بعقلية الصفر، فنتصور أن أي تنازل يعني خسارة، بينما التعاون الحقيقي قادر على رفع مكاسب الجميع.

تتجلى هذه النماذج بوضوح في حياتنا اليومية. في بيئة العمل، يدرك الموظفون أن التعاون يرفع الإنتاجية، ولكنهم يخفون المعلومات أو يبذلون الحد الأدنى من الجهد خوفًا من استغلال الآخرين. هذا ليس خبثًا، بل استجابة منطقية لحوافز مشوهة: غياب التقييم العادل، ضعف المكافآت الجماعية، وانهيار الثقة. وفي البيت، تتكرر لعبة “من يبدأ أولاً” في المهام المنزلية والتواصل العاطفي، لأن القواعد غير واضحة وغير متفق عليها. أما في العلاقات العاطفية، فيصبح الصمت بعد الخلاف إستراتيجية دفاعية، ليس لأن أحدًا لا يريد الصلح، بل لأن كلًا منهما يخشى أن يبدو ضعيفًا إذا بادر بالاعتذار. وحتى على وسائل التواصل، تكافئ خوارزميات المنصات الحدة والاستفزاز، فتدفع الناس إلى سلوكيات لا تعبر عن شخصياتهم الحقيقية.

ورغم قوة نظرية الألعاب، إلا أنها لا تفسر الإنسان كاملًا. ومن أبرز الانتقادات الموجهة إليها:

الإنسان ليس عقلائيًّا دائمًا — تفترض النظرية حسابات دقيقة للربح والخسارة، بينما تقود العواطف والكرامة والانحيازات قراراتنا في كثير من الأحيان.

الحياة أعقد من النماذج — النماذج تحتاج قواعد واضحة ومعلومات كاملة، بينما الواقع مليء بالغموض وسوء الفهم وتفاوت القوى.

عدم التكافؤ — كثير من العلاقات لا تقوم على حرية اختيار متساوية.

النظرة المادية الباردة — الإفراط في النظرية قد يحول العلاقات إلى حسابات ميكانيكية، متجاهلًا الحب والرحمة والتضحية.

الاقتصاد السلوكي — أثبت دانيال كانيمان وآخرون أن البشر يتصرفون وفق انحيازاتهم أكثر مما يتصرفون وفق العقلانية الكاملة.

في النهاية، قبل أن نلوم أحدًا، لعلنا نسأل أنفسنا: ما هي قواعد اللعبة بيننا؟ هل هي تدفعنا نحو التعاون أم نحو الحذر والدفاع؟ وهل المشكلة في الأشخاص أم في البيئة التي تجعلهم يتصرفون على هذا النحو؟ غالبًا ما يكون تغيير القواعد أجدى من تكرار اللوم. فالناس لا يتغيرون كثيرًا بالتوبيخ، ولكنهم يتغيرون جذريًّا عندما تتغير قواعد اللعبة.

ولعل أروع ما في الأمر أن هذه الرؤية الإنسانية العميقة جاءت من الرياضيات — ذلك العلم الذي يبدو باردًا، ولكنه يحمل في طياته قدرة مدهشة على تفسير أكثر زوايا الإنسان دفئًا وتعقيدًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى