أقلام

لحاجةٍ في نفس يعقوب

حسين الحاجي

ليست كل القصص تُروى، ولا كل الأسرار تُحكى، ولا كل الدوافع تُكشف، ولا كل الوجوه تعكس ما في القلوب. بعض البشر يعيش عمره وهو يخفي جزءًا من مشاعره، ويبتسم رغم تعبه، ويصمت رغم امتلائه، ويمضي هادئًا بينما داخله مزدحم بما لا يراه أحد… لحاجةٍ في نفس يعقوب.

في البيوت تتجلّى المعاني أكثر؛ أبٌ يبدو حازمًا بينما قلبه يرتجف خوفًا على أبنائه، وأمّ تخفي دمعتها حتى لا يضعف البيت، وأخ ينسحب من جدال طويل لأنه يعرف أن بعض الشروخ في الأرواح تبقى صامتة، لكنها لا تلتئم. تراهم عاديين في أعين الناس، بينما داخل كل واحد منهم عالم كامل من القلق والتعب والحب والصبر… لحاجةٍ في نفس يعقوب.

في العلاقات أيضًا، ليس كل مبتعدٍ ناسيًا، ولا كل معتذرٍ ضعيفًا، ولا كل مترددٍ عاجزًا. أحيانًا يبتعد الإنسان حفاظًا على الود، ويصمت حتى لا ينطفئ آخر ضوء بين القلوب، ويتراجع لأن البقاء في بعض الأماكن يستنزف الروح قبل العمر. يقترب بحذر، ويبتعد بعذر، ويخفي ما لا يستطيع شرحه… لحاجةٍ في نفس يعقوب.

حتى في العمل والتجارة تتكرر الحكاية؛ تاجر يرفض صفقة يراها الجميع فرصة ذهبية، لأنه يرى من واقع خبرته ما خلفها من خسائر خفية، وموظف يعتذر عن منصب يتمناه غيره لأنه يعرف أن بعض المكاسب تُكلّف الإنسان أكثر مما يتوقع. الناس ترى القرارات، لكنها لا ترى ما سبقها من خوف وتجربة وتعب… لحاجةٍ في نفس يعقوب.

المؤلم أن كثيرًا من البشر يحكمون من الظاهر، ويتحدثون وكأنهم مروا بكل الظروف، بينما الحقيقة أن أكثر المعارك ضجيجًا هي تلك التي لا يسمعها أحد، وأكثر القلوب ألمًا هي التي تتقن الابتسام، وأكثر الأرواح تعبًا هي التي تقول دائمًا: أنا بخير.

لهذا فإن النضج الحقيقي لا يظهر في كشف أسرار الناس، بل في احترام ما أخفوه، وفي التماس العذر قبل إصدار الحكم، وفي فهم أن الإنسان قد يحمل في صدره ما لو كُشف للناس لتبدلت نظرتهم إليه بالكامل.

أعمق الناس ليسوا أكثرهم حديثًا، بل أكثرهم فهمًا ورحمة، وأكثرهم إدراكًا أن الحياة ليست وجوهًا نراها، بل أرواحًا تخفي داخلها مدنًا من الحكايات، وبحارًا من المشاعر، وأبوابًا لا تُفتح لكل أحد… لحاجةٍ في نفس يعقوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى