
عماد آل عبيدان
في حياة البشر أشياء تتكرر حتى يظنها الناس تفاصيل يومية.
ثم تمر السنون فيدركون أنها كانت تُبقي في أرواحهم بقية صالحة للحياة.
والعيد
واحد من تلك المعاني الكبيرة.
فالإنسان منذ الأزمنة الأولى لم يكن يبحث عن الطعام وحده ولا عن المأوى وحده ولا عن التجارة وحدها.
كان يحتاج لحظة يشعر فيها أنّ العمر ليس سلسلة من الالتزامات المتلاحقة فقط.
ولهذا ظهرت الأعياد في حضارات الأرض كلها تقريبًا.
مرة مع مواسم الحصاد.
ومرة مع عودة المسافرين.
ومرة بعد نهاية رحلة شاقة.
ومرة مع تبدل الفصول.
ومرة في أعياد البلد التي كانت تجمع الناس على ذاكرة واحدة وفرح واحد.
حتى الشعوب القديمة التي اختلفت لغاتها وملامحها كانت تتقاطع عند فكرة واحدة..
الإنسان يحتاج محطة يغسل فيها قلبه من إرهاق الأيام.
فالأعياد ما جاءت كي تمتلئ الشوارع بالألوان فقط…
إنما كي لا يتحول البشر إلى كائنات تؤدي واجباتها ثم تأوي إلى أسِرّتها مثقلة من الداخل.
ولهذا فإن المجتمعات التي تفقد معنى العيد…
تفقد شيئًا من رقتها الإنسانية بالتدريج.
لا يُقصد بالعيد ثوبًا جديدًا…
ولا مائدة أكبر من المعتاد…
ولا ازدحام الأسواق…
ولا تلك اللقطات السريعة التي يخبّئها الناس في أجهزتهم ثم تغيب بعد أيام.
العيد الحقيقي مساحة إنسانية تُصلح ما أفسدته العجلة داخل الناس.
الأم التي تترك مساحة أوسع للمودة في يوم العيد حفاظًا على صفاء البيت وفرحه واجتماعه…
تمارس معنى حضاريًا بالغ الرقي.
والأب الذي يعود مبكرًا ليجلس مع عائلته بعدما استهلكته الأعمال طويلًا…
يزرع في ذاكرة أطفاله شعورًا يشبه الأمان الطويل.
والشاب الذي يطرق باب قريب أو صديق انقطع عنه منذ أشهر…
لا يؤدي مجاملة اجتماعية وإنما يُعيد خيطًا إنسانيًا كاد ينقطع.
حتى الأطفال…
أكثر الكائنات فهمًا لمعنى العيد دون تنظير.
يكفيهم صباح مختلف ووجوه أخف قسوة حتى يشعروا أنّ الدنيا ما زالت بخير.
ولهذا تبدو المجتمعات الحية قادرة دائمًا على صناعة مواسم للفرح المشترك.
فالإنسان بمشاركته الآخرين فرحه يشعر أنّ الدنيا ما يزال فيها متسع للألفة والحياة.
ومن أعظم المشاهد التي فهمت هذا المعنى عبر التاريخ…
رحلة الحج.
ليس من زاوية الوعظ التقليدي…
ولكن من زاوية الإنسان نفسه.
تخيّل ملايين البشر يتركون أسماءهم الوظيفية ومناصبهم وطبقاتهم الاجتماعية وثياب التفاخر اليومية ثم يتحركون في اتجاه واحد بروح متقاربة.
مدير كبير يسير قرب عامل بسيط.
وثري يبحث عن الماء بنفسه وبيديه مثل غيره.
ووجوه من عشرات اللغات…
ومع ذلك تنشأ بينهم حالة من الانسجام العجيب دون اتفاق مسبق.
ولهذا ظلت هذه الرحلة واحدة من أكثر صور الاجتماع البشري إدهاشًا عبر التاريخ.
فكرة أن يجتمع هذا العدد الضخم من البشر ضمن حركة دقيقة ومنظمة وآمنة وخدمية…
ليست قضية عاطفية فقط.
إنها مدرسة كاملة في الإدارة والاقتصاد والتخطيط والهندسة والصحة والنقل والتقنية والسلوك الإنساني بتظافر جهوده.
ومن هنا يمكن فهم التحول الكبير الذي تشهده المملكة العربية السعودية اليوم ضمن رؤية 2030.
فالذين يظنون أن تطوير المشاعر المقدسة أو تحسين تجربة الحجاج مجرد توسعة طرق أو زيادة خدمات…
يرون نصف الصورة فقط وربما أقل من ذلك.
ما يحدث أعمق بكثير.
هناك فهم حديث لمعنى الإنسان أثناء الرحلة.
لفكرة الراحة النفسية.
لسهولة الحركة.
لإدارة الحشود بذكاء.
لتقليل الإرهاق.
لاستخدام التقنية مع الحفاظ على روح المكان.
لتقديم تجربة يشعر فيها القادم من أقصى الأرض أنّه موضع عناية واحترام.
وحين ترى قطارًا ينقل الملايين بانسيابية، وتطبيقات تُسهّل الإجراءات، وخدمات صحية تعمل على مدار الساعة، ومتطوعين يتحركون بتفانٍ وخدمة صادقة وبشاشة.
فأنت أمام مشروع حضاري يرى الإنسان أولًا.
وربما هنا تكمن إحدى أجمل الأفكار..
أن التنمية الحقيقية ليست أبراجًا شاهقة فقط، وإنما قدرة المكان على جعل حياة البشر أكثر سكينة وكرامة وسلاسة.
حتى المدن إذا ما اعتنت بأعيادها ومواسمها وطرقاتها وحدائقها ومساحاتها العامة، فهي في الحقيقة تعتني بالحالة النفسية لسكانها.
فالإنسان الذي يجد مكانًا يلتقي فيه مع عائلته براحة، ويشعر فيه بالأمان والانتماء، يصبح أكثر هدوءًا واتزانًا وقابلية للحياة.
ولهذا فإن الأعياد الناجحة ليست تلك التي تنفق فيها الأموال بكثرة…
إنما التي يعود الناس بعدها بقلوب أخف وفرحة أكثر وهجًا.
وقد يبدو الأمر طريفًا أحيانًا
فالناس في العيد يتسامحون حتى مع التفاصيل الصغيرة التي كانت تزعجهم طوال العام.
ذلك العم الذي يسأل ويوزع الأسئلة الثقيلة على الجميع.
يتحول فجأة إلى شخصية محبوبة ما دام يحمل علبة حلوى ويضحك.
وذلك الطفل الذي يقلب البيت رأسًا على عقب.
يُمنح حصانة مؤقتة لأن العيد يمنح الجميع مساحة أوسع للتغاضي.
كأن البشرية كلها تتفق ضمنيًا على هدنة قصيرة مع الإرهاق والتعب.
وهذه الهدنة ليست أمرًا هامشيًا كما يظن البعض.
إنها ضرورة نفسية واجتماعية عميقة.
فالقلوب التي لا تجد فرصة للاتساع
تشيخ مبكرًا.
ومن هنا يبقى العيد واحدًا من أجمل المعاني التي حافظت عليها البشرية عبر تاريخها الطويل، لأنّه يعيد للإنسان شيئًا يوشك أن يفقده كلما ازدحمت الأيام فوق قلبه.




