أقلام

كيف يصنع الإمام الحسين (ع) الإنسان الواعي (٢)

السيد فاضل آل درويش

ورد عن الإمام الحسين (ع): (إِذَا وَرَدَتْ عَلَى الْعَاقِلِ لَمَّةٌ قَمَعَ الْحُزْنَ بِالْحَزْمِ، وَقَرَعَ‏ الْعَقْلَ لِلِاحْتِيالِ)(جواهر الحكمة للشيخ علي الليثي الواسطي ص ٤٢٧).

مداهمة الأحزان والآلام مفاصل حياتنا ومختلف المراحل فيها أمر لا مفر ولا خلاص منه ولا استثناء لأحد، ولكن المفارقة بين الأفراد تكمن في كيفية النظر إليه والتعامل معه بما يؤثر على تكوينه ومسيرة حياته ، فهناك من يتعامل بروح سلبية ونظرة مستقبلية تشاؤمية تشلّ حراكه وخطاه وتدفعه نحو أتون اليأس والاستسلام برفع الراية البيضاء، حيث أن المصائب والأزمات إذا حلّت بفنائه أصيب باضطراب نفسي واستفزاز مشاعري وأطلق العنان لأحزانه حتى تبتلعه، فيرى في تلك الأزمة النهاية والسقوط الذي لا نهوض بعده وتتحكّم فيه الخيالات المريضة بتضخيم المشكلة وكأنها بعبع يبتلعه، كما أن الإدراكات العقلية تصاب بالشلل ويفقد معها التركيز والرؤية الصحيحة، إذ أن العقل الواعي يدعو صاحبه للإحاطة بالمشكلة وتداعياتها والبحث عن أفضل السبل والحلول للخروج بأقلّ الخسائر، فالإنسان كائن مزوّد بالقدرات المختلفة التي يستطيع توظيفها في مواجهة الصعاب، ولكن السيطرة الموهومة لتلك المحطات الصعبة من حياته تضربه بهزة عنيفة تزلزل كيانه، وتدفعه نحو الخطوات المتسرعة والقرارات الانفعالية التي يندم عليها كثيرًا بعد ذلك، والأنكى من ذلك هو امتداد تأثير الأزمات إلى ساحة المستقبل والانفصال عنه، بسبب وقوعه أسيرا للماضي وآلامه ومتاعبه فيجترها ويداعب مخيلته باستعراض تفاصيلها، فيعشعش فيذهنه فكرة الضعف والتعاجز عن تحقيق أي إنجاز فضلًا عن القدرة على الوقوف على رجليه مجددًا.

ولكننا نرى التباين والاختلاف في التعامل مع المحطات الصعبة في حياتنا، فليس كل الناس يسقطون أرضا بسبب محنة عايشوها وكابدوا الآلام فترة من الزمن بسببها، بل نجد على الضفة الأخرى أناسا استوعبوا الأزمات واستطاعوا الخروج منها دون أن يُصابوا باليأس، بل وتمكّنوا بسبب توظيف مختلف قدراتهم الذهنية و المهارية والنفسية من تحويل المحنة إلى منحة إلهية استلهموا منها الدروس والعبر التي تنير مستقبلهم وتجنبهم السقوط في عثرات مشابهة، فالنجاح والتمكن الحقيقي هو تغليب روح الإنسانية المكرمة والمودعة فيه على أي متاعب يواجهها، والقدرة على تحويل الآلام إلى مجموعة دروس تقدمها له مدرسة الحياة والتجارب الإنسانية فيعيها ويستوعبها، كما ينقلب عنده المشهد من خسارة فادحة إلى انبلاج فجر وبداية جديدة تقلب الموازين في صالحه، فزمام الأمور والفكر المتأني المثمر يفلت ويغيب مع فورة الانفعالات والمشاعر المستفزّة، ولا يمكن الوصول إلى بر الأمان والخلاص من أي مشكلة أو محنة إلا بإدارة الانفعال وإخضاع العواطف لنور العقل الواعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى