
أحمد الطويل
مقدمة:
إذا ذُكر الإمام الحسين عليه السلام، تبادر إلى الأذهان ذلك اللقب الذي التصق باسمه حتى غدا جزءًا من حضوره في وجدان المؤمنين، وهو لقب “سيد الشهداء”. فلا يكاد اسمه الشريف يُذكر إلا مقترنًا بهذه السيادة، كما لا تكاد تخلو زيارة من زياراته من هذا الوصف الجليل.
غير أن سؤالًا يفرض نفسه: لماذا اختص الحسين عليه السلام بهذا اللقب دون غيره من الشهداء، مع أن طريق الحق قد رُوي بدماء الأنبياء والأوصياء والصالحين، وعرف التاريخ رجالاً كثيرين بذلوا أرواحهم في سبيل الله؟
وماذا تعني هذه السيادة؟ وهل هي مجرد لقب يراد به التعظيم والتكريم، أم أنها تكشف عن مقام حقيقي اختص الله به الحسين عليه السلام؟
ثم ما الذي يدفع المؤمنين، كلما وقفوا بين يدي الحسين عليه السلام، إلى أن يرددوا بشوق: “يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزًا عظيمًا”؟ وهل المقصود بهذه الأمنية حضور أرض كربلاء يوم عاشوراء فحسب، أم أن المعية التي يطلبها المؤمنون أوسع من حدود الزمان والمكان، وأعمق من مجرد المشاركة في واقعة تاريخية مضت وانقضت؟
إن هذه الأسئلة لا ترتبط بحدث وقع سنة إحدى وستين للهجرة فحسب، بل تتصل بحقيقة العلاقة التي أراد الله أن تقوم بين الإنسان وأوليائه، وبسر ذلك الشوق الذي يجعل المؤمن يتمنى أن يكون مع الحسين عليه السلام في جهاده وسلمه، وفي دنياه وآخرته.
ولعل فهم معنى “سيد الشهداء” يقودنا إلى فهم معنى “يا ليتنا كنا معكم”، لأن السيادة التي اختص الله بها الحسين عليه السلام لم تجعل منه سيداً على الشهداء فحسب، بل جعلته مناراً تهفو إليه القلوب، وتسعى الأرواح إلى اللحاق بركبه، طمعاً في نيل تلك المعية التي هي معية الإيمان والاتباع، ومعية الفوز العظيم.
ماذا تعني سيادة الشهادة؟
حين نصف الإمام الحسين عليه السلام بأنه “سيد الشهداء”، فإننا لا نقصد مجرد لقبٍ أدبي أو تعبيرٍ عاطفي، بل نتحدث عن مقام حقيقي؛ لأن السيادة في منطق القرآن وأهل البيت عليهم السلام ليست اسمًا دون معنى، وإنما هي كاشفة عن منزلة واقعية ومرتبة من مراتب الكمال.
والسيد في اللغة هو المتقدم على غيره، الجامع لصفات الشرف والكمال، ومنه قوله تعالى في وصف يحيى عليه السلام: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (آل عمران: 39). فلم يكن وصف يحيى عليه السلام بالسيادة وصفًا تشريفيًّا مجردًا، بل إخبارًا عن مقامٍ منحه الله له. وكذلك الحال في وصف الإمام الحسين عليه السلام بسيد الشهداء، فإن هذه السيادة تعني تقدمه على سائر الشهداء في مقام الشهادة وآثارها وغاياتها.
ومن هنا، فإن الشهداء ليسوا في مرتبة واحدة، كما أن مراتب الإيمان والأعمال متفاوتة، قال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (آل عمران: 163)، وقال سبحانه: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا﴾ (الأنعام: 132). ومن الطبيعي أن تكون لبعض الشهداء منزلة يتقدمون بها على غيرهم.
ولا تعني هذه السيادة انتقاصًا من مقام سائر الشهداء، بل تعني أن الله سبحانه اختص الحسين عليه السلام بمرتبة أصبحت معها شهادته المقياس الأعلى للتضحية والفداء، كما اختص رسول الله صلى الله عليه وآله بسيادة الأنبياء، وأمير المؤمنين عليه السلام بسيادة الأوصياء.
وقد ورد هذا اللقب في الزيارات المأثورة عن أهل البيت عليهم السلام، حيث يُخاطَب الإمام الحسين عليه السلام بقولهم: “السلام عليك يا سيد الشهداء”، مما يكشف عن أن هذه السيادة ليست مجرد تعبير أدبي، بل مقام أقرته النصوص الشريفة.
ولعل السؤال الأهم ليس: هل الحسين سيد الشهداء؟ فذلك مما تلقاه المؤمنون جيلًا بعد جيل، وإنما السؤال: لماذا اختص الحسين عليه السلام بهذه السيادة؟
إن المتأمل في واقعة كربلاء يجد أن شهادة الحسين عليه السلام لم تكن تضحية فردية محدودة، بل كانت مشروعاً إلهياً لحفظ الدين وإحياء الضمير الإنساني. فقد اجتمعت في نهضته عناصر لم تجتمع في غيرها؛ إذ لم يقدم نفسه وحده، بل قدم أهل بيته وأصحابه، وتحمل الغربة والعطش والحصار، ورأى أبناءه وإخوته وأهل بيته يتساقطون واحداً بعد آخر، ثم استقبل الموت ثابتًا مطمئنًا، وهو يقول: “إلهي رضاً بقضائك، وتسليمًا لأمرك”.
ولهذا لم تكن شهادته حدثًا انتهى بانتهاء يوم عاشوراء، بل تحولت إلى مدرسة متجددة، تبعث الحياة في القيم كلما أوشكت على الذبول. ومن هنا، لم يكن الحسين عليه السلام سيد الشهداء لعظم مصيبته فحسب، بل لأنه جسّد الغاية العليا للشهادة، وهي أن يبقى الحق حيًّا وإن سقط الجسد، وأن تبقى الرسالة خالدة وإن غاب صاحبها.
ففي كربلاء قُتل الجسد، ولكن الذي انتصر هو المبدأ، وبقي الدين الذي خرج الحسين عليه السلام ليصونه من الضياع.
لماذا اختص الحسين عليه السلام بهذا المقام؟
إذا كانت الشهادة مراتب، وكانت للشهداء درجات عند الله سبحانه، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما الذي جعل الحسين عليه السلام سيداً للشهداء؟
والجواب أن سيادة الحسين عليه السلام لم تنشأ من مجرد وقوع الشهادة، فإن الشهادة قد نالها كثير من الأنبياء والأولياء والصالحين، وإنما نشأت من اجتماع خصائص امتازت بها نهضته، حتى غدت نموذجاً أعلى للتضحية والفداء.
فقد خرج الحسين عليه السلام لا طلباً لملك، ولا سعياً إلى سلطان، وإنما خرج لإحياء الدين وإصلاح الأمة، كما قال: “إني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله صلى الله عليه وآله”. ومن هنا كانت شهادته مشروعاً لحفظ الإسلام حين أوشك أن يتحول إلى سلطة بلا روح، ودين بلا قيم.
وقد أشار القرآن الكريم إلى عظمة الإحياء بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: 32). وإذا كان إحياء نفس واحدة يعد بمنزلة إحياء البشرية كلها، فإن إحياء ضمير الأمة وحفظ رسالة الدين أعظم أثرًا وأبقى امتدادًا.
ولهذا لم تكن كربلاء واقعةً عسكرية انتهت بانتهاء يوم عاشوراء، بل تحولت إلى نهضة متجددة امتد أثرها عبر القرون، حتى أصبح الحسين عليه السلام مدرسة للحرية والكرامة والتضحية، ومصدرًا تستلهم منه الأجيال معاني الثبات على الحق.
ومن هنا، كانت سيادة الحسين عليه السلام سيادة رسالة وأثر، لا سيادة زمان ومكان. فهو لم يخلد بعظمة المأساة وحدها، بل بما أحدثته شهادته من بعثٍ دائم لقيم الحق والعدل، حتى غدت كربلاء رمزًا خالدًا لانتصار المبدأ على السيف، وبقاء الرسالة رغم سقوط الجسد.
ولهذا لم يكن الحسين عليه السلام سيد الشهداء لأن شهادته كانت أعظم مصيبة فحسب، بل لأن شهادته كانت منبع حياةٍ متجددة للدين، ومنارة تهدي الأجيال إلى معنى التضحية في سبيل الله.
الحسين عليه السلام سيد الشهداء وأبو الشهداء
ورغم أن لقب “سيد الشهداء” هو الأشهر في النصوص والزيارات، فقد وصف بعض العلماء والمفكرين الإمام الحسين عليه السلام أيضًا بأنه “أبو الشهداء”، لا بوصفه لقبًا روائيًّا مشهورًا، بل باعتبار أن نهضته أصبحت المنبع الذي استلهمت منه الأجيال معنى التضحية والفداء.
وهذان الوصفان وإن كانا يلتقيان، إلا أن بينهما فرقًا لطيفًا.
فسيد الشهداء يعني أنه المتقدم عليهم في المقام والمنزلة، كما يقال: سيد القوم، أي أفضلهم وأشرفهم.
أما وصفه بأبي الشهداء، فلا يراد به الأبوة النسبية، وإنما الأبوة المعنوية، بمعنى أن كثيراً من الشهداء الذين جاؤوا بعد الحسين عليه السلام استلهموا من نهضته روح البذل والثبات على الحق، فكان الأب الروحي لكل من جعل نفسه قرباناً في سبيل الله.
وكما أن رسول الله صلى الله عليه وآله هو الأب الروحي للأمة في هدايتها، قال تعالى:﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (الأحزاب: 6)، فإن الحسين عليه السلام أصبح منبعًا متجددًا تستمد منه الأجيال معنى الشهادة والوفاء للمبدأ.
ومن هنا، فإن سيادته ترجع إلى مقامه ومنزلته، أما أبوته فترجع إلى امتداد أثره في النفوس، وإلى ما بثته نهضته من روح التضحية في الأجيال المتعاقبة.
ولهذا، لم تكن عظمة الحسين عليه السلام في حجم المصيبة وحدها، بل في الأثر الذي تركته شهادته في إحياء القيم وبعث روح المقاومة والثبات، حتى غدت كربلاء مدرسةً متجددة، يستلهم منها الأحرار معنى الفداء والوفاء للحق.
يا ليتنا كنا معكم… ما معنى المعية؟
ومن أعجب ما يردده المؤمنون في زياراتهم قولهم: “يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزًا عظيمًا”.
وقد يتبادر إلى الذهن أن المقصود بهذه الأمنية هو حضور واقعة كربلاء سنة إحدى وستين للهجرة، ولكن المعية التي يتحدث عنها أهل البيت عليهم السلام أوسع من حدود الزمان والمكان.
فقد وصف القرآن الكريم أهل الفوز بقوله تعالى:﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾ (النساء: 69).
فالقرآن لا يتحدث عن معية زمانية، لأن الأنبياء والصديقين والشهداء قد رحلوا عن الدنيا، وإنما يتحدث عن معية تقوم على وحدة الطريق والغاية، ومعيةٍ روحية وإيمانية تجعل الإنسان شريكًا لهم في الوجهة وإن باعدت بينه وبينهم القرون.
ومن هنا، فإن قول المؤمن: “يا ليتنا كنا معكم” ليس حسرةً على عدم حضور كربلاء، بقدر ما هو دعاء بأن يرزقه الله السير في طريقهم، والثبات على نهجهم، والحشر معهم يوم القيامة.
فالمعية الحقيقية لا تتحقق بمجرد اجتماع الأجساد في زمان واحد، وإنما تتحقق باجتماع القلوب على الحق، وبوحدة الموقف والغاية.
ولهذا، فقد عاش أناس مع الحسين عليه السلام في زمانه، ولكنهم لم يكونوا معه، بينما عاش آخرون بعده بقرون، وكانوا معه بإيمانهم وولائهم وصدق اتباعهم.
ومن هنا، فإن الفوز العظيم الذي يرجوه المؤمن ليس مجرد الفوز بنصرٍ دنيوي، بل الفوز بشرف المعية مع أولياء الله، والثبات على طريقهم، والحشر في زمرتهم يوم القيامة.
فرب رجل لم يشهد كربلاء، ولكنه كان مع الحسين.
ورب رجل وقف في كربلاء، ولكنه لم يكن مع الحسين.
فالميزان الحقيقي ليس قرب الأجساد، وإنما قرب الأرواح.
فلسفة المعية عند أهل البيت عليهم السلام
وقد أشار الشيخ محمد رضا عابديني حفظه الله إلى معنى لطيف، وهو أن كلمة “معكم” لا تختص بزمان معين ولا بمكان خاص، بل تعني أن يكون العبد مع أولياء الله في مختلف أحوالهم، في دنياهم وآخرتهم، وفي جهادهم وسلمهم، وفي ظهورهم وغَيبتهم.
فالإنسان قد يعيش بعد الحسين عليه السلام بقرون، ومع ذلك يكون معه، كما أن آخرين عاصروه وشهدوا أحداث كربلاء، لكنهم لم يكونوا معه حقيقةً.
ومن هنا، فالمعية ليست قرب الأجساد، وإنما قرب القلوب، وليست اجتماع الأمكنة، وإنما وحدة الطريق والغاية.
ولعل من أعظم ما يعين العبد على تثبيت هذه المعية مع أهل البيت عليهم السلام تعميق العبودية لله سبحانه، لأن الطريق إليهم يبدأ من الطريق إليه عز وجل. وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: “عليكم بطول السجود، فإن ذلك من سنن الأوابين”.
فالمعية الحقيقية لا تقوم على مجرد التمني، بل على السير العملي في طريقهم، والتقرب إلى الله بما تقربوا به، حتى يكون همُّ المؤمن أن يحظى بشرف القرب منهم، وأن يُحشر في زمرتهم.
فكلما ازداد الإنسان عبوديةً لله، ازداد قرباً من أوليائه، لأنهم الأدلاء عليه، والمرشدون إلى رضوانه.
ومن هنا، لم يكن الفوز العظيم في قولنا: “يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزًا عظيمًا” هو مجرد الفوز بالنصر العسكري، بل الفوز بمعيتهم، والثبات على نهجهم، ونيل شرف الحشر معهم.
فالمعية التي يطلبها المؤمن ليست معية لحظةٍ تاريخية مضت، بل معية منهجٍ يمتد ما امتدت الحياة، ومعية أرواحٍ اجتمعت على حب الله وطاعته، وسارت في طريق الحق مهما اختلفت الأزمنة وتباعدت الأمكنة.
مهما كان الثمن.
اللهم ارزقنا معرفة الحسين، والثبات على ولاية الحسين، والمعية مع الحسين في الدنيا والآخرة، واحشرنا في زمرة محمد وآل محمد، ولا تفرق بيننا وبينهم طرفة عين أبدًا.




