
عبد المنعم الحليمي
مقدمة
يدور البحث في اتجاه واحد وهو “مع أجيالنا ” فإن الجيل بما يحمله من فتوة وإقبال على الحياة يحتاج إلى حضن دافئ ويحتاج إلى العقل الحكيم الذي يقوده ولا حضن أدفأ للأجيال من حضن الحسين – عليه السلام – ولا حكمة ترجمتها الحياة واعتنى بالحفاظ على ترجمتها التاريخ كحكمة هذه الواقعة واقعة عاشوراء لذلك سوف تسلسل الموضوعات تحت سقف الأجيال.
محاور البحث:
كلمة الجيل استفسار عن المعنى؟
الجيل في المحاورات الدينية
الأجيال أمينة على الوعي.
الجيل بين غائب وشاهد .
المجايلة خارج حدود الزمن .
المؤهل الذاتي .
المجايلة مماثلة .
المحور الأول
▪️كلمة الجيل استفسار عن المعنى؟
تأتي كلمة التجييل بمعنى التقطيع الاجتماعي للمكونات البشرية، فعندما يقال هذا جيل وذاك جيل فهو فصل بينهم، ويعد التقطيع للمكونات البشرية معبراً جيداً عن النظرة البشرية الأرضية وليس عن النظرة السماوية.
الأجيال بمناظير العلوم المختلفة(لقطات وأمثلة):
مثال1: عندما يقال هذا جيل التعليم يعني أنه تحقق فصلُ بين أبناء هذا الجيل وما قبله من أجيال وهم أجيال الأمية، ويعد هذا المعنى دقيق في منظور علم الإجتماع.
مثال 2: وعندما يقال هناك أجيال جاهلية، للفصل بين الأجيال ما قبل الإسلام عن الأجيال ما بعد الإسلام، فهذه النظرة تاريخية.
مثال 3: وصف جيل البتروكيماويات بهذا يعني فصله عن جيل الثورة الصناعية وهذه نظرة في علم الاقتصاد.
فيتضح أن القطع بين الأجيال مهم لعالم الاجتماع ومعتبر عند أستاذ التاريخ وله دلالات لعالم الاقتصاد، ويعد هذا التعبير بما يعطيه من استقلال كل جيل عن آخر دقيقًا ويعبر عن الرؤية الخاصة لكل اختصاص وله فوائد في متابعاته.
إضاءة معرفية: هذه العلوم تتحدث عن مساحات زمنية معينة حسب اختصاص وأهداف هذه النظريات، غير أن هذه العلوم بصورة عامة _وان وجد البعض _لا تلتفت للجانب والمساحة الروحية في نظرياتهم فهي ليست من اختصاصهم ، فتأتي المحاورات الدينية لتتم هذا الجانب وتسد فراغ خلفته الاهتمامات الزمكانية في تلك النظريات والعلوم.
المحور الثاني
▪️الجيل في المحاورات الدينية
يتكون التصور الديني عن الأجيال من عدة صور وأجزاء
أ- الأجيال أمينة على الوعي.
أن الوعي هو العنصر الفاصل والواصل بين الأجيال وليس الزمن، ومع أن لكل فرد وعية الخاص، ولكن تكمن المشكلة هي في اجتزاء الوعي.
مثال: في دراسات النقد الأدبي عندما يجترئون في الدراسات بتحليل شعر شاعر بعينه أو شعر أمة كاملة الشعراء الفرس مثلًا أو شعراء العربية أو شعراء الأنجليزية ككتاب (الوعي بالذات في شعر الشريف الرضي) بمعنى وجود تضخم بالوعي في الذات أي ذات الشريف الرضي كصاحب مذهب وينتمي لحركة معينة، فهي ذات دائمة التعبير والإفاضة وتتحدث عن كل شيء من خلال الذات أو كتاب (الوعي بالمكان في الشعر العربي) يعنى وجود تضخم بالوعي بالمكان في الشعر العربي وهذا التضخم عبارة عن توقف الوعي عند هذه النقطة التي تجعل الوعي محدودًا، وقد كان العرب في تلك المرحلة من التاريخ أمة ذات وعي معي محدود و مجتزئ وقد توقف وترسب عند نقطة الأنساب.
(أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) ) القارعة
وقول الشاعر:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جريرُ المجامعُ
ولا يزال البعض منا يعيش هذه الحالة فتجتزئ وتتوقف عنده معاني الحياة كلها في النسب أو المكانة.
جاء النبي الأعظم صل الله عليه وآله وطرد هذه الروح ولكنها كفكرة عادت من جديد، ففي عصر الإمام الحسين عليه السلام برزت هذا الروح مرة أخرى كما نقلنا في أبيات الفرزدق مخاطبًا جرير.
لذلك كان الإمام الحسين ع يحاول معالجة مشاكل الوعي والدفع بالوعي لعدم التوقف والاجتزاء لمعنى الحياة واختزالها بالآباء، بأن بين معنى التجاييل والأجيال فلا توجد حدود زمنية في الروح، فإنك وإن كنت من أمة النبي محمد.ص، ولكن يمكن أن تعيش زمن نبي الله نوح عليه السلام وتكون ممن ركب معه سفينة النجاة فالروح ليس لها حدود زمنية ولا حدود مكانية.
إشراقة روحية:
قدم الإمام الحسين عليه السلام للأجيال دستورًا يبين فيه أن لا محدودية للروح فقال في دعائه المعروف بدعاء عرفة (يا إلهي وإله أبائي إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب).
ولأنه في عصر الحسين – عليه السلام – كانت الروح القبلية تطغى على المشهد خصوصًا في الكوفة فقد كان يدعو آبائه القريبين والبعيدين.
وهذا الدعاء قرأه معه محشر الحج في ذلك الزمن، ولا يزال يتلوه المؤمنين حتى يوم الناس هذا وفي كل جيل، فعلاقتنا نحن من خلال قراءة الدعاء بإبراهيم وإسماعيل واسحاق ليست علاقة نسبية بل رمزية اتباعيه، لأن الأبوة والبنوة رمز للتبعية.
فلذا نظرية التضمين الدلالي تشير إلى أن الابن البيولوجي والابن غير البيولوجي لا تختلف نسبتهم للاب إلا كاختلاف الألوان.
مثال: لو أن أب أنجب 5 أبناء بألوان بشرة مختلفة فهل تختلف نسبة انتمائهم وتبعيتهم للأب باختلاف درجات ألوانهم ؟! بطبيعة الحال لا فكلهم أبنائه.
إضاءة معرفية : بين الأحكام النظامية الشرعية والأحكام الروحية.
الأحكام والشريعة الروحية درجة من الشريعة، وكذلك الأحكام والشريعة النظامية درجة من الشريعة لا تنافي بينهم، فالسارق الذي يُحكم بقطع يده شريعة وحكم نظامي، وأما توبة السارق قبل أن يعرف فهذه شريعة وحكم روحي..
لفتة نبوية : لقد أسلم مع النبي – صل الله عليه وآله – قوم من بني عمومته بل من بني هاشم ولكنه تجاوزهم جميعًا وأشار إلى رجل جاء من أقصى الشرق وقال لهم (سلمان منا أهل البيت) فهكذا هي الشرعية الروحية لا تفصل بينها تلك التقاطعات الاجتماعية والزمكانية.
ب – الجيل بين غائب وشاهد
قد يكون الغائب لاحق بالجيل السابق ويكون الحاضر آبق خارج الجيل (لا زال الزبير منا حتى ولد له عبدالله).
فالفاصل الزمني غير مؤثر هنا فعن الإمام الصادق عليه السلام قال (إن الكروبيين قوم من شيعتنا من الخلق الأول جعلهم الله خلف العرش لو قسم نور واحد منهم على أهل الأرض لكفاهم ) – بصائر الدرجات.
فأنهم وإنا كان خلقوا في الزمن الأول ولكن في المساحة الروحية لا يوجد الفاصل الزمني لذلك عدهم الإمام عليه السلام من شيعته.
مثال: امرأة في زمن رسول الله صل الله عليه وآله كان لها اطلاع على الكتب السابقة ولديها معرفة بأن لكل نبي وصي بعده ولنبي آخر الزمان أسباط أوصياء فلما سألت النبي الأعظم (ص) عنهم لم يرد التصريح بإسم الإمام علي.ع. لأن هذا السؤال كان يعرض على النبي.ص. كثيرًا ولو كان في كل مرة يشير إلى الإمام علي.ع. لضحى به واغتيل في حياته..
لمحة وومضة: حول هارون وموسى عليهما السلام، فإن هارون كان خليفة موسى.ع. ووزيره ومشخص أنه النبي بعده ولكنه مات قبله.؟! فهل مات هارون.ع. قبل موسى.ع. حتف أنفه أم أنه تم التخلص منه..؟!
فالنبي صلوات الله عليه لم يردها دون أن يعطيها فأخذ حصيات على الأرض وفركها وقال لها من إذا جئتيه وفعل نفس فعلي فهو وصيي، جاءت بعد رسول الله -صل الله عليه وآله – وسألت فلان هل أنت وصي رسول الله فلم يجبها وإلى الآخر فلم يجبها ولكنها عندما أتت أمير المؤمنين ع فعل نفس فعل رسول الله فعرفت أنه الوصي وكذلك فعلت مع الإمام الحسن ع والإمام الحسين ع وزادها الحسين قولًا أنا طلبك.
فهذه المرأة رغم أنها تعايشت مع الثقافة اليهودية وكانت ترى فيها ما يشبع نهمها ولكنها لم تتوقف عليها ولم تعيش وتفصل نفسها بالفاصل الطائفي ولكنها تجاوزت كل ذلك وأصبحت مع جيل الحسين عليه السلام، بخلاف رجال آخرين مع الحسين ع لم يصمدوا معه.
وقفة علمية: مع رشيد رضا في تفسيره.
_ رشيد رضا ( 1282 هـ – 1354هـ) صاحب تفسير المنار وإن كان قامة علمية وله من منجزاته وتفسيره له قيمته ويستفاد منه، ولكنه عندما يأتي عند أمير المؤمنين وأهل البيت عليهم السلام يختلف حاله، فمثلًا هو ينكر أن آية المباهلة نزلت في أهل البيت عليهم السلام وأن الروايات في ذلك شيعية، بل يذهب رشيد رضا الى انه رغم نقل روايات كثيرة في كتبهم دالة على نزولها في أهل البيت.ع. إلا أنها مما روج له ونقله الشيعة في كتبنا وعلى ألسن الثقات من رواتنا.. !!! – تفسير المنار ج 3 ص 267
_ وللأسف لكل جواد كبوة ولكل عقل نكسة، فإن رشيد رضا وقع في تضحية خطيرة ولم يلتفت إلى تبعات هذه الدعوى التي لن يغفرها له قومه، وهي أن الشيعة لديهم القدرة على دس روايات في كتب غيرهم وعلى ألسن ثقات محدثيهم وهذا مما يضعف الثقة في هذا الكتب والمصادر..
ج ـ المجايلة خارج حدود الزمن .
_ في حال أنك كنت تعيش مقارب لعصر الظهور أو بينك وبين هذا العصر عصور عديدة فإنك يمكن أن تكون في عداد الأجيال التي تنصره – عجل الله فرجه الشريف – فإننا نكرر النداء في دعاء الندبة (أَيْنَ الطَّالِبُ بِدَمِ الْمَقْتُولِ بِكَرْبَلاَءَ) وكأنها دعوة وطلب بأن تكون ضمن قائمة مناصريه عج سواء كنت حياً أم توفاك الله قبل ذلك، فحتى الجيل الذي سبق ملحمة الإمام الحسين ع كان يخاطب الأجيال ويهيئها لهذه الملحمة.
فمثلا هرثمة بن سليم الذي قاتل مع أمير المؤمنين علي عليه السلام كخليفة المسلمين فقط لا باعتقاد خاص بالإمام علي عليه السلام فقد حضر صفين معه وخرج من الحرب مرورًا بكربلاء فرأى أمير المؤمنين ع أخذ تراب كربلاء وضل يقلب فيه وقال أن في هذه الأرض يقتل رجال يدخلون الجنة بغير حساب فتهكم هرثمة أمام زوجته بهذا القول فكيف لعلي.ع. أن يعلم الغيب التي أجابته ب:
(دعك وعلي)، أي لا تتفكر كثيرًا في علي بن ابن أبي طالب.ع.
فلم تمر الأيام حتى دعى ابن زياد لتجييش الجيوش لحرب الإمام الحسين عليه السلام وانخرط هرثمة مع هذا الجيش، فلما وصل إلى كربلاء ورأى الحسين ع تذكر حديث أمير المؤمنين.ع. فرجع إلى شيء من رشده وانطلق إلى الإمام الحسين ع وذكر له الحديث متسائلًا: هل أنتم المقصودون فيه؟ أجابه الحسين بأنه نعم فهل أنت لنا أم علينا؟!
فما كان منه إلا أن أجاب أنه لا لكم ولا عليكم هل تأذن لي بالانصراف قال له الإمام الحسين عليه السلام انطلق ولا تسمع واعيتنا فأنه من سمع واعيتنا ولم يجبنا أكبه الله على منخريه في جهنم.
لذا فإن المجايلة لا ترتبط بزمن ولا فئة عمرية.
د – المؤهل الذاتي .
_ في المعنى الديني الجيل هو صاحب المؤهل لذلك عد الإمام الباقر عليه السلام من رجال كربلاء رغم أن عمره لا يتجاوز السنتين أو ثلاث، فيعد الصغير كربلائيًّا رغم حداثة سنة لأن مؤهله الذاتي عاليًا.
المجايلة مماثلة .
نحن نقرأ القرآن ولا نزال نلعن تلك الأجيال السابقة التي ماتت على ظلمها لأنها جزء من هذا الكون والحياة التي نعيشها وضريبة ظلمهم وتبعتها تؤثر في حياتنا.
واللعن يكون على شكلين وقسمين – :
_لعن طردي: مثل لعن هؤلاء الظالمين.
_لعن إرشادي ونصحي: مثل الروايات التي تنهى عن نوم الرجل لوحده ليست لعنًا طرديًّا إنما رشد ونصيحة لما يترتب على ذلك من أثار..
لذا عندما نلعن قتلة الحسين عليه السلام فإننا نصطف مع الحسين ع ونقترب منه روحيًّا أكثر فأكثر، وأي معنى تتجسده وتتمثله للاقتراب من الحسين ع يكون صحيحًا ان شاء الله ما لم يخالف منطقا شرعيًّا او عقليًّا.
مقتبس من محاضرة الشيخ عبد الجليل البن سعد 1 محرم 1448




