
السيد فاضل آل درويش
اقتدار في ساحة المواجهة
ورد عن الإمام الحسين (ع): (إِذَا وَرَدَتْ عَلَى الْعَاقِلِ لَمَّةٌ قَمَعَ الْحُزْنَ بِالْحَزْمِ، وَقَرَعَ الْعَقْلَ لِلِاحْتِيالِ)(جواهر الحكمة للشيخ علي الليثي الواسطي ص ٤٢٧).
من صور الحزم في مواجهة الأزمات ومحطات الأحزان والآلام هو إعادة ترتيب أوراق حياته وعلاقاته وطموحاته وتطلّعاته، حيث أنه قد يكون السبب فيما يواجهه من شدة أو إخفاق لا يتعلّق بكسله وإهماله للعمل الجاد، وإنما السبب هو ذلك الاهتمام الذي كان يبديه بأمور هامشية وفرعية استنزفت وقته وجهده، مع أن العائد والفائدة المرجو منها كان ضئيلًا قياسا للجهود الكبيرة التي بدلها، مع عدم استحقاق ذلك الأمر الثانوي لكل ذلك العناء والتعب، ويتفرّع على ترتيب الأوقات هو ترتيب الأولويات وتصنيفها بحسب الأهمية والتأثير، فكم من إنسان كان يطارد أمورا ثانوية ولا يعود من تحصيلها ما يسانده بشكل كبير في مسيرة حياته، حتى جاءت تلك المحنة فأعادته إلى القيم الكبرى وترتيب سلّم الأولويات وتجزئة المراحل الزمنية في حياته مع البدء بالأهم فالمهم، فها هو اليوم قد عرف معنى الأسرة وما توفّره من ظلال دافئة ومشاعر الانتماء إليها، والذي يعزز من قبول الفرد لنفسه ويعزز من صحته النفسية، كما أن بعض العادات الصحية الخاطئة أو السلبية التي تورثه الضعف في بدنه والأسقام، ما كان ليتركها لولا ما أصابه من انتكاسة صحية استفاد منها كثيرًا، وكذلك ترتيب أولوياته واهتماماته على مستوى الاجتماعي وعلاقاته بمن حوله، إذ أن الدائرة المقرّبة منه، التي تحظى بثقته وارتياحه النفسي والفكري قد يدخلها من لا يستحق في فترة من الفترات، وقد يغيب عنها من أظهرت المواقف والأحداث شهامته ومساندته واستحقاقه الانضمام إلى تلك الدائرة، كما أن خدمة الناس وتقديم العون للآخرين كذلك يدخل في قائمة الأولويات بحكم أن وقته وجهده وعطاءه محدود ولا يمكنه تقديمه للجميع، فيرتب أولوياته بحسب قدراته وحاجة الآخر، وكذلك تكوين زاده المعرفي يدخل في نطاق ترتيب الأولويات وعدم الوقوع في ضياع الأوقات بالتنقل غير المدروس بين المقروءات والمطالعات، وها نحن اليوم نشهد تصعيدًا خطيرًا من قبل الشباب والفتيات بتضييع أوقاتهم بتصفح مواقع التواصل الاجتماعي دون خطة مدروسة تحفظ وقته وعقله عما لا فائدة فيه.
المحنة قد تكون مرآة يرى فيها الإنسان نفسه بوضوح لأول مرة، فيكتشف مواطن ضعفه ليعالجها ويكتشف أيضًا طاقات كامنة لم يكن يظن أنه يمتلكها، ولذلك نجد كثيرا من الناجحين يعترفون بأن أعظم التحولات في حياتهم لم تبدأ في أوقات الرخاء، وإنما وُلِدت من قلب المعاناة و رحم الألم والشدائد؛ لأن الشدائد أجبرتهم على التفكير والنهوض والعمل والتغيير، فالتربية الواعية لا تعد الإنسان بحياة خالية من المصاعب، وإنما تعده بشخصية قادرة على التعامل مع المصاعب دون أن تفقد توازنها أو قيمها، ولهذا ينبغي أن نغرس في الأبناء منذ الصغر مهارات الصبر وضبط الانفعال والتفكير المنطقي وحل المشكلات وعدم الاستسلام للفشل، حتى ينشؤوا قادرين على مواجهة الحياة وتلوناتها وصفعاتها بثقة واقتدار.





