
هاني الحجي
قررتُ مشاهدة مباراة مصر والأرجنتين في مقهى يقع بأحد الأحياء الشعبية في الرياض، حيث يتجمع عدد من الأشقاء المصريين، ولا سيما (العزاب).
لم أذهب من أجل المباراة فقط، بل ذهبت لأمارس هوايتي في قراءة وجوه المغتربين وملامحهم للكتابة عنهم.
وجدت في المباراة فرصةً للتأمل في مشاعرهم، فملامح الوجه كثيرًا ما تعبّر عمّا تعجز عنه الكلمات.
منذ بداية المباراة، كانت العيون معلقة بالشاشة….وبالوطن أيضًا
شعرت أنها تنظر إلى مكان أبعد من الملعب؛ كانت تنظر إلى مصر، إلى أحيائها الشعبية، إلى خان الخليلي، وحي الحسين، والسيدة زينب، وإلى أزقة زقاق المدق.
في لحظات، خُيّل إليّ أن نجيب محفوظ يجلس بجانبي، يدوّن رواية جديدة عن المغترب الذي يبحث عن وطنه في مباراة لكرة القدم.
حين سجل المنتخب المصري أهدافه، انفجر المقهى بالفرح. تعانق المصريون، وشاركهم بعض السعوديين ومغتربون من جنسيات أخرى ابتهاجهم.
لم يكن المشهد احتفالًا بهدف فحسب، بل كان انفجارًا لمشاعر ظلت حبيسة القلوب. شعرت وكأن مصر، بأهراماتها ونيلها وحضارتها، تجسدت في صورة أمٍّ مرّت بالمقهى لدقائق لتصافح أبناءها.
في تلك اللحظات أدركت أن الغربة، مهما طالت، لا تنتزع حب الوطن من القلب، بل تضاعفه فيصبح الهدف الذي يسجله المنتخب أمنيةً شخصية لكل مغترب، ويغدو النشيد الوطني لحنًا يعزف على أوتار قلبه، ويصبح اسم الوطن أكثر دفئًا وحنينًا. كان كل هدف يختصر آلاف الكيلومترات بين المغترب ووطنه،
ولكن كرة القدم لا تعترف بالمشاعر.
حين تبدلت النتيجة لصالح الأرجنتين تبدلت معها الوجوه. غابت ابتسامة الأمل، وعاد الصمت إلى الطاولات حتى أكواب الشاي الساخنة بدت وكأنها تحولت إلى حرقة في النفوس.
وأنا أتأمل الوجوه، شعرت أن الخسارة لم تكن في الملعب وحده، وأن أهداف الأرجنتين لم تهز الشباك بقدر ما أيقظت أوجاع الغربة. أعادت إلى القلوب شيئًا من الشوق إلى الأهل، وإلى تفاصيل الحياة البسيطة في حارات القاهرة، وإلى ذكريات الطفولة التي لا يدرك الإنسان قيمتها إلا عندما تبعده عنها قسوة الحياة.
خرجت من المقهى متأملًا الدموع التي ذرفها بعض الحضور، ووجدتني أتساءل: هل هي دموع خسارة مباراة؟ أم دموع اشتياق إلى الوطن، وإلى الأهل والأبناء، وإلى ذكريات تركوها على رفوف الغربة؟
خرجت وأنا أشعر أنني لم أشاهد مباراة بين منتخبين، بل قرأت مجموعةً من قصص أدب الاغتراب.
تسعون دقيقة اختزلت سنوات يعيشها كل مغترب؛ لحظات يتقدم فيها الأمل، ثم يتراجع، ولحظات يقترب فيها الوطن حتى يكاد يُلمس، ثم يعود بعيدًا كما كان.
لهذا أرى أن كرة القدم ليست مجرد لعبة بالنسبة للمغترب، بل نافذة يطل منها على وطنه. فإذا كان الفوز يمنحه دقائق من العودة المعنوية، ويرسم على وجهه البهجة، فإن الخسارة تذكّره بأن المسافة بينه وبين بيته ما تزال طويلة.





