
أمير الصالح
تعرفت على قصة استخدام عيدان الطعام للمرة الأولى عام ١٩٩٦م أثناء تناولي للطعام بمطعم شركة ميتسوي Mitsui اليابانية الواقعة على امتداد شارع Tsukiji القريب من شارع Ginza الشهير بوسط العاصمة اليابانية، طوكيو. وقد تم تقديم طبق صغير يحوي قطع سوشي بسمك السلمون Sushi وإناء من التمبورا (ربيان مقلي) وطبق سلطة خضراء وصحن به كيك الرز كوجبة، وكانت العيدان المصنوعة من الخشب هي الأدوات المعروضة والمتاحة لتناول الطعام؛ السكاكين والملاعق والشوك غير معروضة على سير عرض الطعام. حاولت أن أمسك بقطعة السوشي بالعيدان ولعدة مرات إلا أنني لم أحسن الإمساك بها فتسقط القطعة وكان بعض اليابانيين يلمحني ويحتبس ضحكته. وبعد المحاولة رقم عشرة، نجحت بحمد الله وانفجر الضحك وانطلق التصفيق ليكسر الصمت الذي كان سائدًا على طاولتنا. وبعد استئناف تناول الطعام، دار حوار بيني وبين الأصدقاء اليابانيين عن سبب استخدام العيدان في الثقافة الآسيوية الشرقية (الصينية واليابانية والكمبودية والفيتنامية والكورية).
العيدان امتداد للأصابع
يستاء الصينيون وقد يتشائم بعضهم من استخدام الأيدي عند تناول الطعام بشكل مباشر؛ بعكس بعض العرب والمسلمين وسكان القارة الهندية الذين يتفاءلون باستخدام أياديهم عند تناول الطعام. وبعض الصينيين يشرحون ذلك بأن العيدان المخصصة للطعام هي امتداد لأصابع اليد وأكثر لباقة ونظافة من استخدام اليدين. ويعتقدون أيضًا أن إجادة استخدام عيدان الأكل يقوي الذاكرة ويمنع الخرف ويحرك خمسين عضلة باليد والأصابع ويحول دون الإصابة بتسمم الطعام !!
قصة أستخدام عيدان الأكل
اختلف الرواة في تاريخ الأحداث إلا أن الفكرة تُنسب إلى حدثين:
الرواية الأولى: كان الصينين القدماء يطبخون الطعام كقطع كبيرة ويحتاجون إلى أدوات تقطيع كالسكين أثناء تناول الطعام ويستنزفون وقودًا أكثر. ولوحظ أن البعض عند تقديم الطعام، يستفردون بكمية أكبر من الأخرين؛ فينتفض الآخرون ضدهم ويطعنونهم بالسكين فتتحول المائدة من جلسة نعمة إلى نقمة وأتراح. وعلى ضوء تكرار مثل تلكم الحوادث الأليمة، تدخل الحكماء الصينيون القدماء (١٢٠٠ سنة قبل الميلاد) بمنع استخدام السكين والأدوات الحادة عند تناول الطعام وإدخال إجراء تقطيع الطعام (اللحم والدجاج) إلى قطع صغيرة جدًّا قبل الطهي ليسهل طهيها ويوفر الوقود من ناحية وكذلك ليسهل أكلها دون الحاجة لاستخدام أدوات حادة كالسكين والاستمتاع بالأكل الجماعي.
الرواية ٢: يُقال ان الفيلسوف الحكيم كونفوشيوس Confucius يرفض وجود أية أداة حادة على طاولة تناول الطعام لطبيعته الرقيقة والنبيلة. وعليه اعتمد كونفوشيوس تقطيع الطعام إلى قطع صغيرة قبل الطهي واستخدام العيدان لأكل الطعام. ونُقل عن كونفوشيوس عبر كتب التاريخ والمخطوطات قوله: “الرجل الشريف المستقيم يبتعد عن المسلخ والمطبخ، ولا يسمح بوجود السكاكين على مائدته”.
منطقة حنان الصينية
مجرد قراءة اسم المقاطعة الصينية حِنان Henan province of China فإن البعض يلتبس عليه الأمر ويربط أي شيء سيء بالصين ولا سيما بعد إغراق الإعلام العالمي لمسامعنا بأن فيروس وباء Covid-19 ارتبط بسوق اللحوم والسمك بمدينة Wuhan بمقاطعة Hubei Province أو بقصة مختبر Wuhan الذي انطلقت منه شرارة وباء الكوفيد الذي قض المضاجع وأثار الرعب حول العالم فبل عدة سنوات ماضية. إلا أنه من الغريب أن المقاطعات الصينية لها آثار جليلة في تقدم الحضارة الإنسانية طُمست عمدًا أو لا يكترث الإعلام العالمي المؤثر في إبرازها وتعمد شيطنة الصين. فمقاطعة Henan الصينية يُعتقد وحسب علوم الآثار والأحافير هي منطلق صنع أدوات الكتابة! والآن أضف لمعلوماتك بأنه يُعتقد بأن ذات المقاطعة هي منطلق استخدام عيدان أكل الطعام !! ليس هذا فحسب بل أن اختراع البوصلة، والبارود، وصناعة الورق، والطباعة، وهي اختراعات غيرت مجرى التاريخ العلمي البشري، جميعها تعود جذورها التاريخية الأساسية وانطلاقها إلى ذات المنطقة بالصين. ويُقال إن المنطقة هي مهد الحضارة الصينية وأنها الآن تمتاز اقتصاديًّا بأنها مدينة مصنع هاتف الجوال الآيفون وسلة الخبز الصيني ونقطة أساسية في الخطوط الحديدية داخل الأراضي الصينية وأن اقتصاد المقاطعة يناهز اقتصاد دولة تركيا !! وقد يكشف لنا الزمان أن تلكم المقاطعة تدفن المزيد من الأسرار !! فشخصيًّا ألوح بالسلام على أبناء تلكم المقاطعة، وأتمنى من الله أن تتاح لي فرصة زيارتها مستقبلًا والأطلاع على المزيد من حضارتها وصناعاتها وابتكاراتها وإنسانها.
يتفاءلون ويتشائمون حتى بعيدان الأكل
لم يخطر ببالي أن اختلاف حجم العودين المستخدمين لتناول الطعام تعني فوات رحلة/ فرصة في المستقبل عند بعض الصينيين واليابانيين القدماء. ولم يخطر ببالي أن إمساك العيدان من الأطراف النهائية يعني شعبيًّا في بعض أجزاء آسيا بأن الماسك سينتظر كثيرًا لايجاد شريكة حياته المناسبة!!!
أُوباما وليس جوانزو
سافرت بعد عدة سنوات لزيارة دولة الصين بعد أن فتحت العلاقة بين الصين ودولتي، وزرت منطقة جوانزو اكتشافًا للفرص التجارية يومذاك. وكان جدول زيارتي يشمل زيارة عدة مصانع ومنها أسواق الجملة للشاي وأدوات المطابخ والأثاث والأدوات الصحية. ولضيق الوقت ألغيت بعض الزيارات، إلا أن المفاجأة لي أنه عند زيارتي لسوق الشاي بمدينة جوانزوا (Guangzhou Fangcun Tea Wholesale Market Park 芳村茶叶批发市场园区 )، طرحت سؤالًا للمترجم المرافق لي عن مصانع عيدان الأكل. فقال لي إن أكبر مصنع في أوباما Obama!! فضحكت وقلت وما دخل السيد أُوباما وهو الرئيس الامريكي (حينذاك) في الأمر. فقال لي أقصد مدينة أوباما Obama وهو اسم مدينة يابانية بمقاطعة فوكي Fukui ويوجد بها مصانع تنتج ما يزيد عن ٨٠٪ من عيدان الطعام المستخدمة حول العالم !! ثم استرسل المترجم الصيني المرافق وقال : ليس إنتاج عيدان الطعام كمًّا وجودة هو ما تمتاز به اليابان، بل حتى السكاكين ذات الجودة العالية يتم إنتاجها باليابان.
انتهت الحكاية؛ ولكن هل تعرف لماذا نستخدم في الشرق الأوسط السكين والملعقة والشوكة عند تناول الطعام؟!




