
أحمد الطويل
تنويه:
هذه هي المقالة الرابعة عشرة من سلسلة “الصوت الذي بقي”، وتتناول مرحلة قيادة الإمام محمد الجواد عليه السلام للأمة بعد ثبوت إمامته، وكيف واجه رقابة السلطة العباسية ومحاولات احتواء دوره، حتى انتهت حياته بالشهادة.
مقدمة
لم تنتهِ الشبهات حول الإمام محمد الجواد عليه السلام بانتصاره في ميدان العلم، بل بدأت بعدها مرحلةٌ أشد تعقيدًا.
فقد أدركت السلطة العباسية أن الإمام الذي أسقط شبهة صغر السن لم يعد مجرد غلامٍ نابغ، بل أصبح مرجعًا علميًا وروحيًا تتجه إليه القلوب، وأن تأثيره في الأمة يزداد مع الأيام رغم حداثة عمره.
ولهذا تغيّر أسلوب المواجهة مرةً أخرى.
فإذا كان المأمون قد حاول احتواء الإمام الرضا عليه السلام بولاية العهد، فإن السلطة مع الإمام الجواد عليه السلام اتجهت إلى سياسةٍ أكثر هدوءًا وأشد إحكامًا؛ المراقبة، والتضييق، وربط الإمام ببلاط الخلافة، ومحاولة عزله عن قواعده الشعبية، مع إبقاء صورته تحت نظر الدولة.
ولكن التجربة أثبتت مرةً أخرى أن الإمامة لم تكن مشروعًا يصنعه السلطان أو يحدّه القصر.
فالإمام الجواد عليه السلام، على الرغم من صغر سنه، استطاع أن يقود الأمة بعلمه، وأن يربي تلامذته، وأن يرسّخ معالم مدرسة أهل البيت عليهم السلام، حتى أصبحت السلطة ترى في وجوده خطرًا لا يقل عن خطر آبائه.
ومن هنا تبدأ صفحةٌ جديدة من “الصوت الذي بقي”؛ صفحةٌ تكشف أن الحجة الإلهية لا تُقاس بعمرها، ولا يُضعفها الحصار، وأن السلطة كلما ضاقت بالإمام، ازداد حضوره في ضمير الأمة.
حين ضاق العباسيون بالإمام الشاب
لم يكن انتقال الإمامة إلى الإمام محمد الجواد عليه السلام نهاية قلق العباسيين، بل بداية مرحلةٍ جديدة منه.
فقد أثبت الإمام في وقتٍ قصير أن صغر السن لم يمنع الناس من الالتفاف حوله، ولا حال بينه وبين أداء رسالته العلمية والروحية. وسقطت الشبهة التي راهن عليها خصوم أهل البيت عليهم السلام، وبقي الإمام حاضرًا في وجدان الأمة بوصفه الامتداد الشرعي لرسول الله صلى الله عليه وآله.
وهنا أدرك المأمون أن المشكلة لم تكن في عمر الإمام، بل في الإمامة نفسها.
ولذلك لم يعد يعتمد أسلوب المواجهة المباشرة، بل لجأ إلى سياسة الاحتواء. فاستدعى الإمام إلى بغداد، وقرّبه إلى بلاطه، وزوّجه ابنته أم الفضل، في محاولةٍ لإبقائه تحت نظر الدولة، وربط صورته بالخلافة، وإظهار وجود انسجامٍ بين السلطان والإمامة.
لكن الإمام الجواد عليه السلام كان يرى ما وراء هذا المشهد.
فلم يجعله قربه من القصر رجلًا من رجال الدولة، ولم يغيّر من استقلال موقفه، ولم يمنعه من أداء رسالته. لقد بقي مرجعًا للأمة، يجيب عن مسائلها، ويربّي أصحابه، ويؤكد بسيرته أن الإمامة لا تستمد مشروعيتها من رضا السلطان، وإنما من العهد الذي جعله الله في أوليائه.
وكان المأمون يظن أن وجود الإمام في بغداد سيحدّ من تأثيره، فإذا به يزيد الناس معرفةً بفضله، ويكشف لهم الفارق بين سلطةٍ تستند إلى القوة، وإمامةٍ تقوم على العلم والهداية.
وقد أشار القرآن الكريم إلى أن تدبير البشر لا يستطيع أن يغيّر ما قضاه الله، فقال سبحانه:﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، (الرعد: 41).
وهكذا تكررت الحقيقة التي شهدها تاريخ أهل البيت عليهم السلام؛ فما أراده العباسيون وسيلةً لاحتواء الإمام، تحوّل إلى نافذةٍ جديدة تعرّفت الأمة من خلالها إلى إمامها، وبقي صوت الرسالة مستقلًا، بينما ظل العباسيون عاجزين عن أن يجعل الإمامة جزءًا من مشروعه.
حين بقيت الإمامة قريبةً من الأمة
لم يكن وجود الإمام محمد الجواد عليه السلام في بغداد يعني انقطاعه عن الأمة، كما أراد الذين استدعوه إليها.
فقد كان العباسيون يظنون أن تقريب الإمام إلى مركز الحكم، وإحاطته بالمراقبة، سيحدّ من تأثيره، ويجعل صلته بأتباعه تضعف مع مرور الزمن. لكنهم لم يدركوا أن الإمامة لم تكن تقوم على الحضور الجغرافي، وإنما على الثقة التي غرسها أهل البيت عليهم السلام في قلوب الناس.
فلم تكن الإمامة عنده مرتبطة بمجلسٍ رسمي أو منبرٍ ظاهر، بل كانت رسالةً تتحرك حيث يوجد طالبٌ للحق.
وكان هذا الامتداد الهادئ هو سرّ بقاء مدرسة أهل البيت عليهم السلام؛ فهي لم تعتمد على النفوذ السياسي، وإنما على بناء الإنسان، وتربية العلماء، وحفظ العلم جيلاً بعد جيل.
ولهذا لم تستطع الرقابة أن تمنع انتشار أثر الإمام، لأن العلم لا تحدّه الجدران، ولا تستطيع القيود أن تمنع الكلمة الصادقة من الوصول إلى أصحابها.
وقد أشار القرآن الكريم إلى أن الهداية ليست مرتبطة بالمكان، وإنما بمن يحمل الأمانة ويؤديها، فقال تعالى:﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾،
(الأحزاب: 39).
وهكذا بقي الإمام الجواد عليه السلام يؤدي رسالته بهدوء وثبات، حتى أثبت أن الإمام قد يُراقَب، لكنه لا يتوقف عن الهداية، وقد يُحاصَر، لكن رسالته تبقى أقرب إلى الناس من كل الحواجز.
وكانت الوسيلة التي حفظت هذا القرب، رغم الرقابة، هي شبكة الوكلاء التي بناها الأئمة عليهم السلام.
حين صنعت الوكالة مدرسةً للإمامة
لم يكن الإمام محمد بن علي الجواد عليه السلام يملك جيشًا، ولا منصبًا، ولا جهازًا إداريًا يدير به شؤون أتباعه، لكن ذلك لم يمنعه من أداء دوره في قيادة الأمة.
فقد أدرك أن بقاء الإمامة لا يتوقف على القرب من مركز الحكم، بل على بقاء الصلة بين الإمام والناس. ولهذا حافظ على شبكة الوكلاء التي أسسها آباؤه عليهم السلام، وواصل توجيهها، فكانت تنقل إليه أسئلة المؤمنين، وتوصل إليهم أجوبته، وتجمع الحقوق الشرعية، وتحفظ وحدة الجماعة رغم تباعد الأمصار.
ولم تكن هذه الشبكة تنظيمًا ماليًا فحسب، بل كانت مدرسةً لحفظ العقيدة، ونشر العلم، وربط القلوب بالإمام، حتى في الأزمنة التي يصعب فيها اللقاء المباشر.
وهكذا أثبت الإمام أن القيادة الحقيقية لا تُقاس بكثرة الظهور، وإنما بعمق التأثير. فقد يكون الإمام بعيدًا عن الناس بجسده، لكنه حاضرٌ في عقولهم بعلمه، وفي قلوبهم بهديه.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾، (الأنبياء: 73).
فالهداية هي جوهر الإمامة، وهي التي بقيت تؤدي دورها مهما تغيّرت الظروف، ومهما اشتدت القيود.
ولهذا لم تستطع المراقبة أن توقف رسالة الإمام الجواد عليه السلام، لأن الرسالة التي تقوم على العلم والإيمان لا تحتاج إلى القصور لتصل إلى الناس، بل تكفيها القلوب التي تعرف الحق وتتمسك به.
حين عاد الطريق إلى الشهادة
لم يدم عهد المأمون طويلًا، فلما توفي وتولى المعتصم العباسي الحكم، تغيّر المشهد كله.
فالمعتصم لم يكن يشارك المأمون اهتمامه بالمناظرات أو إظهار نفسه راعيًا للعلم، بل كان يعتمد على القوة، ويرى في وجود الإمام الجواد عليه السلام خطرًا لا يزول بالمراقبة وحدها.
وكان الإمام قد ازداد مكانةً في قلوب الناس، وأصبح مرجعًا يقصده طلاب العلم، ويثق به المؤمنون في دينهم، ولم تستطع سنوات الإقامة في بغداد أن تقلل من أثره، بل زادته حضورًا وهيبة.
وهنا عاد الأسلوب الذي عرفه تاريخ أهل البيت عليهم السلام مرارًا؛ فحين تعجز محاولات الاحتواء، ويخفق الحصار في إضعاف الرسالة، لا يبقى أمام الطغاة إلا طريق الغدر.
وتذكر المصادر التاريخية أن الإمام الجواد عليه السلام استشهد مسمومًا سنة (220هـ)، وهو في الخامسة والعشرين من عمره، بعد حياةٍ قصيرة في سنواتها، عظيمة في أثرها.
لقد أرادوا أن ينهوا حياة الإمام، لكنهم لم يستطيعوا أن ينهوا أثره. فكما بقي علم أبيه الإمام الرضا عليه السلام بعد شهادته، بقي الإمام الجواد عليه السلام شاهدًا على أن الإمامة لا يقاس عمرها بسنوات الإمام، وإنما بما تتركه من هداية في حياة الأمة.
وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، (آل عمران: 169).
وهكذا انتهت حياة الإمام الجواد عليه السلام كما انتهت حياة آبائه؛ شهادةً في سبيل الله، لكن الرسالة التي حملها لم تنتهِ، بل انتقلت إلى الإمام الهادي عليه السلام، لتستمر مسيرة الإمامة جيلًا بعد جيل، ويبقى الصوت الذي حاولوا إسكاتَه حاضرًا في ضمير الأمة.
حين انتصرت الإمامة مرةً أخرى
لم يكن الإمام محمد الجواد عليه السلام أطول الأئمة عمرًا، لكنه كان من أوضحهم برهانًا على أن الإمامة ليست ثمرة السنين، بل عطيةٌ إلهية يهب الله بها من يشاء من عباده.
لقد بدأت إمامته بسؤالٍ عن العمر، لكنها انتهت بجوابٍ صنعه العلم، وأثبتته المواقف، وشهد له الخصوم قبل الموالين. فسقطت المقاييس البشرية أمام الحقيقة، وتبيّن أن الحجة تُعرف بما تحمل من نور الله، لا بما تحمله من سنوات.
وهكذا أثبت الإمام الجواد عليه السلام أن الرسالة لا تُقاس بطول الحياة، وإنما بعمق الأثر. فقد عاش عمرًا قصيرًا، لكنه ترك مدرسةً بقيت، وربّى رجالًا حملوا علمه، ورسّخ يقينًا لم تستطع الشبهات أن تزلزله.
وقد لخّص القرآن هذه الحقيقة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾، (الطلاق: 3).
فقد تعاقبت الدول، وتبدلت الوجوه، وسقطت العروش، ولكن الإمامة بقيت تؤدي رسالتها، ينتقل نورها من إمامٍ إلى إمام، حتى بقيت الحجة قائمة في الأمة.
ويبقى السؤال
إذا كان الإمام محمد الجواد عليه السلام قد أثبت أن الإمامة لا تُقاس بالعمر، فإن التحديات لم تتوقف عند حدود إثبات الإمامة، بل بدأت مرحلةٌ أشد تعقيدًا.
فقد انتقلت الإمامة إلى الإمام علي بن محمد الهادي عليه السلام، في زمنٍ اشتد فيه نفوذ الدولة العباسية، واتسعت فيه الرقابة، وأصبح العباسيون أكثر حرصًا على عزل الإمام عن الأمة، ومراقبة حركته، ومحاصرة تأثيره.
فكيف استطاع الإمام الهادي عليه السلام أن يقود الأمة في تلك الظروف؟ وكيف حافظ على امتداد الرسالة وهو يعيش تحت رقابةٍ تكاد لا تنقطع؟ وكيف واصل بناء مدرسة أهل البيت عليهم السلام في زمنٍ بدا فيه الحصار أشد من أي وقتٍ مضى؟
هذا ما نأمل أن نجيب عليه في المقالة القادمة، بإذن الله.




