أقلام

علي وفاطمة… بيتُ حب

عبدالكريم آل نمر

ليس كلُ فراق يُشبه غيره…

فقد يفقد الإنسان عزيزًا عليه، فيبكيه أيامًا ثم تهدأ الأحزان…

ولكن ماذا لو كان الراحلُ هو الإنسان الذي يسكن القلب والروح والبيت معًا؟

عليٌّ وفاطمة…

زوجان جمعهما بيتٌ واحد، وبدأت حياتهما الزوجية في المدينة بعد الهجرة بسنواتها الأولى…

والمشهور أنه كان في السنة الثانية للهجرة، وأن زفافهما كان في ذي الحجة من العام نفسه.

في زواجٍ أمره من السماء وباركه رسول الله ص، وأنجبا فيه الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم.

سنواتٌ قليلة في حساب الزمن…

ولكنها كانت كافية ليصبح ذلك البيت بيت النبوة الذي خرجت منه أسرة تركت أثرها في الكون كله.

ثم جاء اليوم الذي بدأ فيه كل شيء يتغير…

“ذلك البيت الذي عرفناه… بدأ يصمت”

مرضت فاطمة.

ومع اشتداد مرضها، لم يكن علي يرى أمامه زوجة مريضة فحسب…

كان يرى فاطمة بنت رسول الله، ورفيقة حياته، وأم أولاده، والإنسانة التي ستترك برحيلها فراغًا لا يشبهُ أي فراغ.

فكيف عاش علي ع الأيام الأخيرة معها؟

وماذا حدث في ذلك البيت قبل أن يصمت ويتحول إلى ذكرى؟

تلك حكاية رجل لم يكن يستعد لفقد زوجته فقط… بل كان يستعد لفقد جزء من قلبه.

كان بيتُ علي وفاطمة بيتاً صغيراً في مساحته، عظيمًا بما جرى فيه من أحداث.

ولنا مع البيت حكايةٌ أخرى… عن تفاصيله، وموضعه، وبساطته، وما كان يحتويه، سنرويها يومًا ما.

أما حكايتنا اليوم… فليست عن جدرانه، بل عمّا جرى بينها.

كان بيتها قريبًا جدًّا من بيت أبيها رسول الله ص وقلبها أقرب وقلبه جزء منها.

ولكن ذلك البيت… الذي شهد تردّد الملائكة هبوطًا وعروجًا، واعتاد صوت الوصي، ونجوى الحسن، وتلاوة الحسين، وحنين زينب، وهتاف الصغيرة أم كلثوم: أمّاه… أمّاه…

ذلك البيت بدأ يصمت.

مرضت فاطمة.

ومع اشتداد مرضها، أخذ علي يرى أمامه ما لا يريد أن يراه…

زوجته التي اعتاد أن يجدها إلى جواره دائمًا، تضعف يومًا بعد يوم.

اشتدّ مرض فاطمة…

ومع كل يوم يمر، كان علي يرى في وجهها ما يخبره أن الأيام التي تجمعهما بدأت تضيق.

كان يعرف فاطمة جيدًا، يعرف صوتها، ويشعر بنبضات قلبها التي بدأت تتباطأ، ويعرف حتى ما تخفيه من تعب كي لا تثقل عليه.

ولكن المرض هذه المرة كان أقوى من أن تخفيه.

كانت ابنة رسول الله ص تضعف أمام عينيه، والبيت الذي كان عامرًا بالحياة أصبح أكثر هدوءً، وكأنّ الجميع بدأ يشعر أن شيئًا عظيمًا يقترب.

ولم يكن علي ع ليحول دون ذلك الاقتراب. كان يستطيع أن يكون إلى جوارها… أن يرعاها… أن يسمعها…

ولكن قدرُ الله كان ماضيًا، وما كُتب في اللوح كان آتيًا لا محالة.

وكان أصعب ما في الأمر أن فاطمة لم تكن امرأة عادية في قلب علي.

هي زوجته التي عاش معها سنوات قليلة، ولكنها كانت سنوات صنعت بيتًا بقي أثره في الكون كله.

وهي ابنة رسول الله ص التي كان يعرف مقدار مكانتها عند أبيها، ويعرف كم كان رسول الله يحبها ويكرمها.

ولهذا كان مرضها يفتح في قلبه جرحين في وقتٍ واحد… جرح الزوج الذي يرى زوجته تذبل أمامه… وجرح المحب الذي يعلم أن حبيبته ابنة رسول الله تستعد أن تودعه.

وفي تلك الأيام الأخيرة، لم يعد الحديث بينهما حديث كما كان…

بدأ الحديث يأخذ شكل الوداع.

وصارت الكلمات التي تُقال في هدوء البيت أثقل من أن تُنسى.

ولكنها وهي تستعد للرحيل كانت تفكر فيمن سيبقى بعدها…

في أولادها، وفي البيت الذي ستغادره.

يا لها من أمٍّ كانت تفكر في بيتها وأولادها، حتى وهي تستعد لمغادرته.

ولهذا كانت هناك وصية أرادت أن تتركها لعلي قبل أن ترحل.

فماذا قالت له؟

وماذا أوصت الرجل الذي أحبتهُ، وهي تعلم أن فراقها سيترك في قلبه جرحاً لا تداويه الأيام؟

وجاءت الوصية…

لم تكن فاطمة تريد أن تترك لعلي كلمات عن نفسها فقط، بل كانت تفكر فيمن سيبقى بعدها.

تذكر الروايات أنها قالت له:

“يا ابن عم، أوصيك أن تتزوج بعدي بابنة أختي أمامة، فإنها تكون لولدي مثلي”.

كانت تعرف أمامة، وتعرف قربها من أولادها، فأرادت أن يكون في البيت بعد رحيلها من يحمل عنهم شيئًا من حنان الأم ورعايتها.

كانت فاطمة تفكر في اليوم الذي سيأتي بعدها…

في الحسن والحسين، وفي زينب وأم كلثوم، وفي بيت سيبقى حزينًا بعد أن تغادره.

وهنا تكشف الوصية شيئًا من قلبها…

فحتى وهي تستعد للرحيل، كان تفكيرها يتجه إلى من سيبقى.

ثم أوصت عليًّا بما أرادت في تجهيزها ودفنها، وورد في الروايات أنها أوصته أن يُتخذ لها نعش، وأن يكون دفنها ليلًا.

كان عليٌّ يسمع…

ويعرف أن هذه الكلمات ليست حديثًا عن أمر بعيد… إنها وصية امرأةٍ معصومةٍ اقترب رحيلها.

لكن عليًّا، وهو يحفظ وصيتها، كان يعرف أن هناك شيئًا واحدًا لا يستطيع أن يتحمّله…

أن يأتي اليوم الذي ينفذ فيه وصيتها.

انتهت الوصية…

ولكن الحكاية لم تنتهي.

فما قالته فاطمة لعليٍّ لم يكن كلمات تُحفظ فقط…كان أشياء سيأتي وقت لتنفيذها.

وكان علي ع يعرف أن ذلك الوقت يقترب.

فالمرأة التي عاش معها، وشاركته البيت والأيام، كانت تستعد للرحيل…

وهو يستعد للحظة التي سيصبح فيها البيت نفسه شاهدًا على ما سيجري.

ولكن كيف كانت ساعات فاطمة الأخيرة؟

وكيف ودّع علي زوجته قبل أن تغادر الدنيا؟

وماذا حدث حين جاء الليل، وحان وقت تنفيذ الوصية؟

هناك تبدأ الحكاية الأخرى…

حكاية علي مع فاطمة، حين لم يعد الفراق احتمالًا ينتظرونه… بل أصبح حقيقةً لا مفر منها.

هنا تنتهي الحلقة الأولى… وللحكاية ما لم يُروى بعد.

نرويها لكم قريبًا…

همسة عاشق:

كانا نورًا واحدًا… افترقا في الدنيا اليوم، ولكنهما سيلتقيان في السماء غدًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds