
غسان بو خمسين
قرأتُ خبرًا عن خطبة تناولت موضوع الإسراف وجرمته ووجوب الترشيد والاعتدال. لم يكن الخبر جديدًا؛ فقد اعتدنا سماع الحديث الوعظي عن الطعام المهدور والماء المسرف فيه. ولكن ما استوقفني هذه المرة وجعلني أتأمل لفترة، لم يكن النهي عن الإسراف ذاته، بل السؤال الذي يفترضه هذا النهي: لماذا نستقبح إلقاء رغيف خبز في سلة المهملات، بينما لا نشعر بأي حرج أخلاقي إذا تحطم حجر في وادٍ؟ ما الذي يجعل أحدهما موضع احترام، والآخر مجرد شيء لا يعني لنا شيئًا؟ يبدو هذا سؤالًا ساذجًا، ولكنه يقود إلى قضية فلسفية عميقة: من أين تستمد الأشياء قيمتها؟
إذا سألنا العلم التجريبي، فلن نجد في الرغيف “نعمة”، ولا في الحجر “مهانة”. فكلاهما مادة وطاقة، وذرات انتظمت في صور مختلفة. يستطيع العلم أن يصف الأشياء، وأن يفسر خصائصها وقوانينها، ولكنه لا يخبرنا لماذا ينبغي احترام شيء دون آخر. فهو معني بما هو كائن، لا بما ينبغي أن يكون. ولهذا تبقى القيمة خارج حدود الوصف العلمي؛ إذ لا يمكن استنتاج حكم أخلاقي من حقيقة مادية مجردة.
من هنا يبدو أن القيمة لا تسكن المادة، بل ترتبط بالغاية. فالرغيف لا يختلف عن الحجر لأن عناصره الكيميائية أسمى، بل لأنه يؤدي غاية حفظ الحياة، ويختزل رحلة طويلة من الأسباب والجهود؛ من البذرة والمطر والشمس، إلى تعب الفلاح، وصناعة الخباز، وانتظار المحتاج. ولذلك فإن احترام الرغيف ليس احترامًا لمادة، وإنما احترام للمعنى الذي يحمله والغاية التي وجد من أجلها.
غير أن هذا يقود إلى سؤال آخر: إذا كانت القيمة ترتبط بالغاية، فمن الذي يحدد هذه الغاية؟ حاولت مدارس فلسفية متعددة أن تجيب عن هذا السؤال؛ فمنها من جعل العقل أساس الأخلاق، ومنها من ردها إلى المنفعة، ومنها من ربطها باتفاق المجتمع أو تطور الحس الإنساني. وعلى اختلاف هذه المحاولات، فإنها جميعًا تواجه سؤالًا واحدًا: ما الذي يجعل هذا المعيار ملزمًا للإنسان، لا مجرد تعبير عن تفضيل أو اتفاق؟
فالإنسان قد يدرك أن العدل خير، وأن الظلم قبيح، ولكن إدراك الخير لا يفسر وحده لماذا يجب الالتزام به إذا تعارض مع المصلحة أو الهوى. كما أن اتفاق المجتمع على قيمة ما لا يكسبها مشروعيتها؛ فكم من مجتمع أقر ظلمًا، ومع ذلك لم نفقد القدرة على الحكم عليه بأنه ظلم. إن الإجماع قد يفسر انتشار قيمة، ولكنه لا يفسر سبب استحقاقها للطاعة.
وهنا يظهر الفرق بين معرفة القيمة ومصدر إلزامها. فقد يكون العقل قادرًا على إدراك الخير، ولكنه ليس بالضرورة مصدر سلطانه. فالسؤال الأعمق ليس: كيف نعرف الخير؟ بل: لماذا يجب علينا أن نفعله؟ وما الذي يمنح هذا الوجوب سلطانه على الإنسان؟
وهنا تبرز إشكالية الإلزام: العقل يُدرك الخير لكنه لا يملك سلطانًا على الهوى، والإجماع يفسر الانتشار لا يبرر الوجوب. وعندما ينكشف عجز كل المعايير البشرية عن إثبات سلطانها الذاتي، ينفتح العقل على التساؤل عن مرجعية لا تخضع لتقلب الرغبات؛ مرجعية تضع الأشياء في سياق أمانة لا ملكية مطلقة. ففي الرؤية الدينية، لا تستمد الأشياء قيمتها من مادتها، بل من موقعها في النظام الذي أراده الخالق. فالإنسان ليس مالكًا مطلقًا للعالم، وإنما مستخلف فيه، مؤتمن على نعم لم ينشئها، وإنما أذن له بالانتفاع بها وفق الغايات التي خُلقت لها.
وعلى هذا الأساس، لا يكون الخبز مجرد مادة غذائية، بل نعمة جعلها الله قواماً للحياة، ولا يكون الماء مجرد مركب كيميائي، بل أصل الحياة. ومن هنا لا يصبح النهي عن الإسراف مجرد توجيه اقتصادي يدعو إلى حسن إدارة الموارد، بل تعبيرًا عن طبيعة العلاقة الأخلاقية بين الإنسان والعالم. فالأشياء التي بين أيدينا ليست مواد صامتة مباحة لكل عبث، وإنما نعم تحمل غايات، واحترام تلك الغايات جزء من أداء الأمانة.
فالذي يهدر رغيفًا لا يعبث بجزيئات كيميائية فحسب، بل يفرط في أمانة، ويهدر معنى، ويقوض الغاية التي وجد الشيء من أجلها. فالملكية القانونية قد تمنح الإنسان حق الانتفاع، ولكنها لا تمنحه حق إفساد المعنى.
وهكذا يعود السؤال الأول في نهاية المطاف: لماذا نحترم رغيف الخبز ولا نكترث لتحطم الحجر؟ ليس لأن أحدهما أرفع مادة من الآخر، بل لأن قيمة الأشياء لا تستمد من تركيبها، وإنما من الغايات التي وجدت لها، ومن المرجعية التي منحت تلك الغايات معناها. ومن يجيب عن سؤال: «ما الذي يجعل احترام الرغيف واجبًا؟» يكون قد اقترب من الإجابة عن السؤال الأكبر: من أين تستمد الأشياء قيمتها؟
وفي هذا الاعتراف، يبدأ الطريق الحقيقي نحو فهم القيمة: لا بوصفها حكمًا خارجيًّا، بل بوصفها علاقة بين الإنسان والعالم، علاقة لا تستقيم إلا إذا نهض الإنسان إلى أمانته، وأدرك أن كل ما بين يديه ليس ملكًا، بل معنى ينتظر من يحسن حمله.





