
أحمد عزوز: الدمام
شهدت مكة المكرمة يوم الجمعة توقيع “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” بين السعودية وتركيا وباكستان، التي تؤكد بحزم أن “أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد هجوماً على الجميع”.
جاءت هذه الاتفاقية في قصر الصفا في مكة، بدعوة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وبحضور الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف.
لم تكن مجرد وثيقة أمنية معاصرة، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المواثيق التي ارتبطت بهذه المدينة المقدسة عبر القرون.
مكة ليست مدينة دينية وتاريخية فحسب، بل هي فضاء رمزيّ تعقد فيه العهود، وتصان فيه الذمم، ويرفع فيه صوت الحق والعدل فوق صوت القوة مع صوت الآذان الذي يرفع 5 مرات في اليوم.
مكة مركزاً للحلف والتضامن
منذ عصر الجاهلية كانت مكة مركزاً للحلف والتضامن، ففي شهر ذي القعدة سنة 33 قبل الهجرة، اجتمعت بطون من قريش في دار عبد الله بن جدعان، ذلك، وتعاهدوا على ألا يجدوا في مكة مظلوماً من أهلها أو من غيرهم إلا قاموا معه حتى ترد إليه مظلمته. سُمي ذلك الحلف “حلف الفضول” لأنه دخل في فضل من الأمر، ونصر المظلوم على الظالم، وقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحلف وهو فتى في العشرين من عمره، وقال عنه بعد البعثة كلماتٍ خالدة: “لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دُعيت به في الإسلام لأجبت.
هكذا ارتبطت قبلة الدنيا مكة المكرمة منذ فجرها بمعنى النصرة الجماعية، والوقوف صفاً واحداً في وجه الظلم.وبعد الهجرة بسنوات، عاد التاريخ ليكتب في محيط مكة صفحة أخرى من صفحات الصلح والعهد. في ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الصحابة عند الحديبية، على مشارف الحرم، هناك جرت مفاوضات شاقة انتهت بصلحٍ سماه القرآن الكريم “فتحاً مبيناً”، حيث وضع الصلح الحرب 10 سنين، وفتح باباً للقبائل أن تدخل في عهد من شاءت، ومهّد لفتح مكة بعد عامين، لم يكن الصلح تنازلاً ظاهرياً فحسب، بل كان إستراتيجية حكيمة أتاحت للإسلام أن ينتشر في أجواء أكثر هدوءاً، وأن يثبت أن السلام المدروس قد يكون أقوى من السيف في لحظات معينة.
الحديبية وتعرف الآن بـ”الشميسي” قريبة من مكة وفي مشارفها أصبحت حالياً مدينة صغيرة، وهي بوابة الحرم من الجهة الغربية للقادم من جدة بالطريقين السريع والقديم.
دور مكة في العصر الحديث لم ينقطع
في العصر الحديث لم ينقطع هذا الدور. في مطلع الثمانينيات الميلادية، وتحديداً في يناير 1981م عقدت القمة الإسلامية الثالثة في مكة المكرمة والطائف. تميزت تلك القمة بأن جلستها الافتتاحية انعقدت في رحاب المسجد الحرام، بجوار الكعبة المشرفة، في مشهد نادر جمع قادة الأمة الإسلامية في أطهر البقاع. كان الشعار “دورة فلسطين والقدس الشريف”، وكانت الرسالة واضحة: مكة مكان يجمع ولا يفرق، ويذكّر الأمة بجذورها المشتركة.
ومنذ ذلك الحين توالت الوثائق والقمم التي تحمل اسم مكة: اتفاق مكة بين فتح وحماس عام 2007 برعاية المملكة، ووثيقة مكة المكرمة 2019 التي أقرها أكثر من 1200 عالم وشخصية إسلامية لتأصيل قيم التعايش والوسطية، واتفاقيات أخرى تاريخية مثل معاهدة مكة 1926. كل وثيقة تبرم في مكة تكتسب من قدسية المكان ثقلاً معنوياً لا يُضاهى.
اليوم تعود مكة لتحتضن اتفاقية الدفاع المشترك بين ثلاث دول إسلامية كبرى. الاتفاقية ليست موجَّهة ضد أحد، كما أكدت التصريحات الرسمية، بل هي دفاعية بحتة، مبنية على روابط الأخوة والتضامن الإسلامي والمصالح الإستراتيجية المشتركة والتعاون الدفاعي القائم منذ عقود.
جمع هذه القدرات بين الدول الكبرى الثلاث في إطار واحد تحت مظلة مكة يمنح الاتفاق بعداً رمزياً عميقاً: كأن الدول الثلاث تقول إن أمنها مشترك، وإن الاعتداء على واحدة منها اعتداء على النسيج الذي يجمعها.
إن اختيار مكة مكاناً للتوقيع ليس مصادفة جغرافية، بل اختيار واع للتاريخ والمعنى، فمكة المكرمة التي شهدت حلف الفضول لنصرة المظلوم، وشهدت صلح الحديبية كفتح للسلام، وشهدت قمم الأمة في رحاب الحرم، تعود اليوم لتكون شاهدة على ميثاق دفاعي معاصر. في زمن تتصاعد فيه التوترات الإقليمية، وتتشابك فيه المصالح، تذكّر مكة العالم بأن التضامن ليس شعاراً، بل ممارسة متجذرة في ترابها المقدس.
وهكذا تظل مكة المكرمة، عبر العصور، مدينة المواثيق. ليست مجرد مكان يزار أو يحج إليه، بل فضاء يعاد فيه صياغة العلاقات بين الأمم على أسس من العدل والأخوة والمسؤولية المشتركة.
من دار عبد الله بن جدعان إلى قصر الصفا، ومن حلف الفضول إلى اتفاقية الدفاع المشترك، يبقى الدرس واحداً “العهود التي تبرم في جوار البيت الحرام تحمل من الصدق والثقل ما يجعلها أكثر من مجرد أوراق موقعة”.
إنها امتداد لروح مكة الخالدة، روح تؤمن بأن الأمن الحقيقي يبدأ حين يصبح أمن الواحد أمناً للجميع.





