أقلام

رواية مختصرة : “والدا مبتعث” 

أمير الصالح

كانت الزوج و الزوجة، أحدهما يشبه الآخر إلى حد كبير في حبه وتعلقه بابنائئه وهواجسه من مجريات الأحداث في العالم والقلق على مستقبل أفراد الأسرة. وفي الوقت نفسه، كان الزوجان مختلفين اختلافًا يكاد أن يكون كبيرًا في أسلوب تربية الأبناء وإدارة بعض تفاصيل شؤون الحياة كالموقف من حدود دلال الأولاد وسهر الأبناء في ليالي عطل نهاية الأسبوع وتقنين ساعات استخدام الإنترنت والتسجيل في المدارس العالمية.

لم يكن مقدرًا للزوج والزوجة أن يكونا مع أبناءهم لمدد طويلة لأسباب نوردها تباعًا، إلا أنه كان مقدرًا للأبوين والأبناء أن يخلّصوا لبعضهم البعض دائمًا وأبدًا وروح الولاء قائمة. فالأب كان يجول في الأرض طلبًا للرزق ولجلب لقمة عيش كريمة، وبعد أن استقر بالمنزل بعد سنوات من الترحال إذ بالابن الأكبر بعد تخرجه يعين بوظيفة خارج البلاد، ولحقه الابن الثاني الذي يعمل خارج الإقليم، وبعد فتره استدركهم الابن الثالث بالدراسة في جامعة أجنبية غربية.

كان الأب اجتماعيًّا من الطراز الرفيع؛ فتطرق مسامعه أحداث من الشرق والغرب لأبناء المجتمع وبعض المجتمعات العالمية، وكذلك ترد مسامع الأب الحنون أنباء عن بعض الفائزين وبعض المتعثرين، وبعض الناجحين وبعض الفاشلين، وبعض المتقين وبعض المنفلتين في حاضرتهم وفي حواضر دول الابتعاث أو الاغتراب. فيحلل الأب الوفي تلكم القصص ويحاول وضع يده على حقيقة الأسباب لاستنساخ التجارب الناجحة منها وتجنب فخاخ قصص المتعثر منها!

صنع الأبوان (الزوج والزوجة) قصة نجاح في تكوين بيتهما وأسرتهما، وعاشا قصة نضال عصامية ناجحة ولا يزالان لا يفتران عن توظيف بعض أجزاء تلكم الرواية الواقعية في توجيه ونصح وتربية أبنائهم .هواجس إعطاء الفرص المتكافئة والبذل العادل ونزع أي غل أو حسد من قلوب الأبناء أمر يمارسه الزوج وزوجته نحو أبنائهم طوال حياتهم وما يزالان. وكان من نصيب البعض منهم الابتعاث للدراسة بالخارج، إلا أن الأبناء المتأخرين تضاءلت تلكم الفرص للابتعاث أمامهم. فاخذ الأب على كاهله ومن باب الإيمان بالعدالة الأسرية، أخذ زمام المبادرة بابتعاث ابنه الأصغر على حسابه المالي الخاص.

توترات مقلقة

السياسة العالمية المضطربة والعدالة الاجتماعية المهترئة وأحوال الاقتصاد في بعض البلدان المتبعثرة وموجات الانحلال الأخلاقي المتزايدة وموجات العنف المتصاعدة والتشنج في المعاملات ضد الغرباء في بعض الدول التي اجتاحت بعض دول الغرب الأجنبية (مواطن ابتعاث معظم أبناء منطقة الشرق الأوسط) فأضحت ساحات مدن دول غربية ساخنة ومتصدرة الأخبار في صنع الأحداث من قبل بعض مواطني تلكم الدول الغربية سواء من أحزاب اليمين المتشدد أو أحزاب اليسار المتطرف بالتصادم والتحريض ضد المغتربين والطلاب والمهاجرين. فالصحافة ووكالات الانباء العالمية تارة تورد أنباء عن إطلاق نار في شارع عام، أو خبر هجوم مسلح في مبنى بنك أو داخل مول تجاري، أو نبأ اعتداء بسلاح أبيض على بعض المارة في أحد الشوارع المكتظة بتلكم المدن الغربية … إلخ . فكان الأبوان يتحدثان باستمرار بُعيد أن أمنا سفر ابنهم الأصغر لإحدى الجامعات الغربية عن ما يدور من أحداث وحوادث عنف، ومنها حوادث الإسلاموفوبيا وحوادث فلتان أخلاقي وتمرد اجتماعي وكراهية وعنصرية و…إلخ. فيتشتت استقرار الأبوين تارة وتراود مخيلتهم بعض السيناريوهات المشؤومة ويكونا بين القلق والخوف تارة، وتارة بين التطلع لإشباع طموح ابنهم الأصغر والتفاؤل بحسن العاقبة. فكان كلما قام الزوج أو الزوجين معًا بالمهاتفة أو بزيارة للابن الأصغر في ديار الغرب، ازداد حديثهم معه عمقًا عن ضرورة زيادة مستوى الحيطة والأمن وإجراءات السلامة من قبل ابنهم وضرورة تفاديه مواطن أهل الشر والتجمعات المشبوهة؛ كذلك طالبوه بالإسراع في إنجاز ساعات الدراسة الأكاديمية لضمان التخرج والرجوع لأرض الوطن. كان أعضاء الأسرة بكل أطرافها يتفقون أحيانًا على أشياء، وأحيانًا يختلفون على أشياء أخرى، ومنها تغيير مكان الدراسة من الخارج للداخل، ولكن بحمد الله النقاش بينهم لم يصل يومًا إلى درجة الاحتدام فالقطيعة، ولم تصير الأمور إلى حد التباغض أو الجفاف. كان الأبوان يتحدثان بنضج مع ابنهم الأصغر كما لو كانا يريدان أن يقنعانه بأشياء بالنسبة لهم من المسلمات البديهية، بينما بالنسبة للابن ما تزال في مرحلة الاكتشاف وخوض التجربة (غير مسلمات). كانوا كأفراد أسرة يتحدثون مع بعضهم البعض عبر تطبيق زووم أحيانًا أو تطبيق واتس آب في أحيان أخرى، كأنهم يريدون أن يصرخوا في الآفاق بالقول أنهم ما يزالون بحمد الله أسرة متحابة ومتراصة حتى لو تباينت مواقعهم الجغرافية، حتى إن كان لكل منهم قناعات يسعى لتثبيتها وإن كلفت مبالغ باهضة. فالأبوان بعد تبني مفاهيم التربية الحديثة يحملان نبض كسب أفراد الأسرة بالنسبة لهم أهم من المال الذي ادخروه. لا بل إن الأب أبدى استعداده للرجوع لسوق العمل بعد تقاعده وتجاوز سن الخامسة والستين من عمره وبروز بعض علل صحية في بدنه، لتحقيق أحلام بقية أبنائه بعد نجاحه في دعمه للأوائل منهم.

كان وما يزال يتحدث أفراد الأسرة بعضهم لبعض بموازين منطقية ومعقولة تسودها المحبة والاحترام، كما لو كانوا يؤمنون بأن حديثهم سيغيّر الأمور للأفضل، أو يعيد التوازن، أو يحرر عقول من بعض القناعات ولو بعد حين. فبعض التجارب مكلفة وقتًا ومالًا وصحة ونفسية، والعاقل من اعتبر بغيره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds