أقلام

الصوت الذي بقي (15) حين أصبحت الإمامة تحت المراقبة

أحمد الطويل

تنويه:

هذه هي المقالة الخامسة عشرة من سلسلة “الصوت الذي بقي”، وتتناول مرحلة إمامة الإمام علي بن محمد الهادي عليه السلام، وكيف واجه بداية مرحلة الرقابة العباسية المباشرة، ورسّخ معالم الإمامة في زمن اشتد فيه الحصار الفكري والسياسي.

مقدمة:

لم يكن استشهاد الإمام محمد الجواد عليه السلام نهاية الامتحان، بل بداية مرحلةٍ أكثر صعوبة.

فقد انتقلت الإمامة إلى الإمام علي بن محمد الهادي عليه السلام، في وقتٍ كانت فيه الدولة العباسية قد تعلّمت الكثير من تجاربها السابقة مع أئمة أهل البيت عليهم السلام. فلم تعد ترى أن المواجهة العلنية تحقق ما تريد، ولا أن التقريب الظاهري ينجح في احتواء الإمامة، بل اتجهت إلى أسلوبٍ جديد يقوم على الرقابة المستمرة، والعزل التدريجي، ومحاولة قطع الصلة بين الإمام والأمة.

وكان الهدف واضحًا؛ ليس القضاء على شخص الإمام فحسب، بل إضعاف تأثير الإمامة في نفوس الناس، حتى تتحول إلى اسمٍ بلا حضور، ورسالةٍ بلا امتداد.

ولكن ما لم يدركه العباسيون أن الإمامة لم تكن يومًا قائمةً على القصور، ولا على حرية الحركة، وإنما على العلم، والثقة، والارتباط الروحي الذي صنعه أهل البيت عليهم السلام عبر أجيالٍ متعاقبة.

ومن هنا بدأت صفحةٌ جديدة من “الصوت الذي بقي”؛ صفحةٌ أثبت فيها الإمام الهادي عليه السلام أن الحصار قد يقيّد الجسد، ولكنه لا يستطيع أن يحاصر الهداية، وأن الإمام إذا كان متصلًا بالله، بقي قريبًا من الأمة، وإن باعدت بينهما أسوار السلطة.

حين تغيّر وجه الامتحان

لم يكن الإمام علي بن محمد الهادي عليه السلام يواجه واقعًا جديدًا بسبب انتقال الإمامة إليه فحسب، بل لأن الزمن نفسه كان قد تغيّر.

فقد وصلت الدولة العباسية إلى مرحلةٍ أصبحت فيها أكثر خبرةً في التعامل مع أئمة أهل البيت عليهم السلام. فهي لم تعد تجهل أثرهم في الأمة، ولم تعد تظن أن القضاء على الإمام أو التضييق عليه كفيلٌ بإطفاء رسالته، بعد أن رأت كيف بقي ذكر الإمام الكاظم عليه السلام رغم السجن، وكيف ازداد الإمام الرضا عليه السلام حضورًا رغم ولاية العهد، وكيف أثبت الإمام الجواد عليه السلام إمامته وهو في مقتبل العمر.

ولهذا تغيّر أسلوب المواجهة.

لم تعد القضية مواجهةً مفتوحة، ولا احتواءً ظاهريًا، بل أصبحت سياسةً تقوم على المتابعة الدقيقة، ومراقبة حركة الإمام، وتقليل صلته بالناس، وجعل وجوده تحت نظر الدولة باستمرار.

وكانوا يظنون أن تضييق الحركة سيؤدي مع الزمن إلى تضييق التأثير.

ولكنهم غفلوا عن حقيقةٍ لم تتبدل منذ بعثة الأنبياء؛ وهي أن الرسالات لا تنتشر بقوة السلطان، وإنما بقوة الحق الذي تحمله. فإذا كان مصدر الهداية إلهيًا، فلن تستطيع حسابات البشر أن توقف امتداده.

ولهذا بدأت إمامة الإمام الهادي عليه السلام في واحدةٍ من أكثر المراحل حساسية، لا لأنها افتقدت العلم أو الأنصار، بل لأنها واجهت رقابةً لم تعرفها الإمامة بهذا الاتساع من قبل. ومع ذلك، لم تتراجع الرسالة، بل وجدت طريقًا جديدًا للاستمرار.

وقد لخّص القرآن هذه الحقيقة بقوله تعالى:﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، (يوسف: 21).

فقد ظنّ الناس أن زمام الأمور بيد أصحاب القوة، بينما كانت إرادة الله تمضي بهدوء، لتثبت مرةً أخرى أن الإمامة لا يحفظها سلطان الأرض، وإنما يحفظها الذي اصطفاها وجعلها هدايةً لعباده.

حين أصبح الطريق إلى سامراء قدرًا

لم تمضِ سنواتٌ طويلة حتى انتقلت سياسة المراقبة من بعيد إلى خطوةٍ أكثر وضوحًا.

فقد رأى المتوكل العباسي أن بقاء الإمام علي بن محمد الهادي عليه السلام في المدينة المنورة، بين الناس الذين عرفوا مكانته، لم يعد ينسجم مع سياسة الدولة في إحكام السيطرة على كل مصدرٍ للتأثير الروحي والفكري.

ولهذا صدر الأمر باستدعاء الإمام إلى سامراء، العاصمة الجديدة للدولة العباسية.

ولم يكن هذا الانتقال رحلةً عادية، ولا تكريمًا للإمام كما حاولت السلطة أن تُظهره، بل كان بداية مرحلةٍ أرادت منها الدولة أن تجعل الإمام تحت رقابتها المباشرة، بعيدًا عن مركزه الطبيعي بين أبناء المدينة، حيث نشأ، وعاش، وربّى طلابه.

ومع ذلك، لم يُقابل الإمام هذا التحول بالاعتراض أو الانفعال، لأنه كان يعلم أن رسالته لا ترتبط بمدينةٍ دون أخرى، ولا بمكانٍ دون آخر. فالذي يحمل الهداية يحملها معه حيثما كان، ولا تستطيع الجغرافيا أن تحاصر الرسالة إذا كانت متصلة بالله.

دخل الإمام سامراء، ولكنه لم يدخلها أسيرًا لظروفها، بل دخلها إمامًا يحمل مسؤوليته كاملة. فالقصر كان يراه رجلًا ينبغي مراقبته، أما المؤمنون فكانوا يرونه الحجة التي ينبغي الرجوع إليها، ولم تتغير هذه الحقيقة بتغيّر المكان.

ومنذ تلك اللحظة، أصبحت سامراء شاهدًا على مرحلةٍ جديدة من تاريخ الإمامة؛ مرحلةٍ عاش فيها الإمام قريبًا من مركز الحكم، لكنه بقي بعيدًا عن أن يكون جزءًا منه، وقريبًا من الناس، وإن حالت بينهم وبينه الحواجز.

وهكذا بدأت الإمامة تُعلِّم الأمة درسًا جديدًا: أن قرب الإمام من السلطة لا يعني قربه من مشروعها، كما أن ابتعاده عن موطنه لا يعني ابتعاد رسالته عن الناس.

حين كتب الإمام ميثاق العقيدة

لم يكن الإمام علي بن محمد الهادي عليه السلام يواجه سيوفًا فقط، بل كان يواجه أفكارًا.

ففي عصره كثرت الاتجاهات التي انتسبت إلى أهل البيت عليهم السلام، لكنها لم تكن جميعها تمثل نهجهم. فبعضها بالغ في الأئمة حتى رفعهم فوق المنزلة التي جعلها الله لهم، وبعضها الآخر فرّط في حقهم حتى جرّد الإمامة من حقيقتها الإلهية.

وكان الإمام يدرك أن الانحراف في فهم الإمامة لا يقل خطرًا عن محاربة الإمام نفسه؛ لأن الرسالة قد تبقى، لكن تشويه معانيها يوقع الناس في الضلال وهم يظنون أنهم على هدى.

وفي خضم هذه الظروف، طلب منه أحد أصحابه، وهو موسى بن عبد الله النخعي، أن يعلمه زيارةً جامعة يزور بها أيَّ إمامٍ من أئمة أهل البيت عليهم السلام.

ولم يكن الجواب مجرد ألفاظٍ للزيارة، بل خرج من الإمام نصٌّ أصبح مع الأيام واحدًا من أعظم النصوص العقدية في التراث الإسلامي، وهو الزيارة الجامعة الكبيرة.

لقد رسم الإمام فيها صورة الإمامة كما أرادها الله؛ فبيّن أنهم عبادٌ مكرمون، اصطفاهم الله لحمل رسالته، وجعلهم أبواب رحمته، وخزّان علمه، وأمناء وحيه، من غير أن يرفعهم إلى مقام الألوهية، ومن غير أن ينزل بهم عن مقام الاصطفاء.

ولهذا بقيت الزيارة الجامعة الكبيرة مدرسةً في العقيدة، لأنها لم تُعرّف الناس بالأئمة فحسب، بل علّمتهم كيف يفهمون الإمامة فهمًا متوازنًا، بعيدًا عن الغلو والتقصير معًا.

ومن هنا لم يكن الإمام الهادي عليه السلام يعالج مشكلة عصره بردودٍ متفرقة، بل قدّم للأمة ميزانًا يبقى صالحًا لكل زمان؛ فإذا اختلف الناس في فهم أهل البيت عليهم السلام، عادوا إلى هذا الميزان الذي وضعه الإمام بنفسه.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المنهج القائم على الاعتدال والحق بقوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: 143).

وهكذا لم يكتفِ الإمام الهادي عليه السلام بمواجهة الحصار السياسي، بل واجه أيضًا أخطر أشكال الحصار؛ وهو تحريف مفهوم الإمامة نفسه، فترك للأمة ميزانًا عقديًا بقي مرجعًا للأجيال من بعده. فبقيت عقيدتها صافية، كما أرادها رسول الله صلى الله عليه وآله، وكما ورثها الأئمة بعضهم عن بعض.

ويبقى السؤال

لكن الإمام الهادي عليه السلام لم يكتفِ بحماية العقيدة وتصحيح المفاهيم، بل بدأ يبني للأمة مستقبلًا كاملًا.

فكيف استطاع أن يحافظ على صلة المؤمنين بإمامهم وهو يعيش تحت الرقابة؟ وكيف تحولت شبكة الوكلاء في عهده إلى مؤسسةٍ حفظت وحدة الشيعة، ومهّدت للأمة أخطر مرحلةٍ في تاريخ الإمامة؟

هذا ما نأمل أن نجيب عليه في المقالة القادمة، بإذن الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds