أقلام

الصوت الذي بقي (16) حين أصبح الغياب إعدادًا للحضور

أحمد الطويل

تنويه

هذه هي المقالة السادسة عشرة من سلسلة “الصوت الذي بقي”، وتستكمل الحديث عن الإمام علي بن محمد الهادي عليه السلام، مركزةً على بناء شبكة الوكلاء، وإعداد الأمة لمرحلةٍ غير مسبوقة، حتى غدت الإمامة قادرةً على مواصلة رسالتها رغم أشد ظروف الرقابة والحصار.

مقدمة:

لم يكن انتقال الإمام علي بن محمد الهادي عليه السلام إلى سامراء نهاية مشروعه، بل بداية مرحلةٍ جديدة من العمل الهادئ.

فقد أدرك الإمام أن الحصار الذي فرضته الدولة العباسية لم يكن موجهًا إلى شخصه وحده، وإنما إلى مستقبل الإمامة نفسها. وكانت السلطة تراهن على أن عزل الإمام عن الناس سيؤدي مع مرور الزمن إلى إضعاف ارتباط الأمة به، حتى تصبح الإمامة عنوانًا بلا أثر.

ولكن الإمام الهادي عليه السلام قرأ المشهد قراءةً أبعد من حسابات العباسيين.

فلم يجعل همه كسر الحصار المباشر، بل عمل على بناء ما يبقى بعده؛ فربّى الرجال، وثبّت الثقات، ووسع شبكة الوكلاء، ورسّخ في الأمة ثقافة الرجوع إلى الأمناء الموثوقين، حتى لا تنقطع الصلة بالإمام إذا حالت الظروف دون اللقاء المباشر.

ولم يكن ذلك حلًا مؤقتًا فرضته ظروف عصره، بل كان إعدادًا بعيد المدى لمرحلةٍ ستواجه فيها الأمة امتحانًا لم تعرفه من قبل.

وهكذا لم يكن الإمام الهادي عليه السلام يصنع حلولًا ليومه فقط، بل كان يبني للأجيال القادمة نظامًا يحفظ الرسالة مهما تبدلت الظروف، ويؤكد أن الهداية التي مصدرها الله لا تتوقف على حضور الجسد، وإنما تستمر ما دام المنهج محفوظًا، والأمة واعيةً بمسؤوليتها.

ومن هنا أصبحت سنوات الإمام الهادي الأخيرة واحدةً من أهم مراحل الإعداد في تاريخ الإمامة؛ لأنها لم تحفظ حاضر الأمة فحسب، بل هيأت مستقبلها أيضًا.

حين أصبحت الوكالة جسرًا بين الإمام والأمة

لم يكن الإمام علي بن محمد الهادي عليه السلام أول من اعتمد الوكلاء، فقد عرف الشيعة هذا النظام منذ عهود الأئمة السابقين، لكن الظروف التي أحاطت بإمامته جعلت هذا التنظيم ينتقل من وسيلةٍ للتواصل إلى ركيزةٍ لحفظ كيان الأمة.

فالرقابة العباسية لم تكن تسمح بحرية اللقاء بالإمام، كما أن أتباع أهل البيت عليهم السلام كانوا ينتشرون في العراق، والحجاز، وفارس، وخراسان، والأهواز، ومناطق أخرى بعيدة عن سامراء. وكان من المستحيل أن تصل أسئلة الناس وحقوقهم الشرعية إلى الإمام، أو تصل إليهم توجيهاته، من دون رجالٍ عُرفوا بالأمانة والعلم والثقة.

ولهذا اختار الإمام وكلاءه بعنايةٍ بالغة، فلم يكن معيار الاختيار كثرة الأتباع، ولا المكانة الاجتماعية، بل الصدق، والاستقامة، والقدرة على حمل المسؤولية. وكان الوكيل يمثل الإمام في حدود ما أذن له به، فيجيب عن كثيرٍ من المسائل، وينقل ما يحتاج إلى جواب الإمام، ويصون الجماعة من الانقسام أو الاختراق.

ومن أبرز هؤلاء عثمان بن سعيد العمري، الذي اكتسب ثقة الإمام الهادي عليه السلام، ثم الإمام الحسن العسكري عليه السلام، حتى أصبح فيما بعد أول السفراء الأربعة للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف. كما برز أيوب بن نوح في بغداد، وعلي بن مهزيار الأهوازي في الأهواز، وعبد العظيم الحسني في الري، والفضل بن شاذان في نيسابور، وكل واحدٍ منهم أدى دورًا علميًا واجتماعيًا تجاوز حدود مدينته.

ولم يكن هؤلاء مجرد ناقلين للرسائل، بل كانوا يحفظون وحدة المجتمع المؤمن، ويواجهون الشبهات، ويربّون الناس على الثقة بالإمامة، حتى أصبح وجودهم امتدادًا حيًا لدور الإمام في الأقاليم البعيدة.

وهكذا، بينما كان العباسيون يظنون أنها تُضيّق على الإمام بإبعاده عن الناس، كان الإمام يوسّع حضوره في الأمة عبر رجالٍ حملوا علمه وأمانته، فأصبحت الوكالة مدرسةً في التنظيم، قبل أن تكون وسيلةً للتواصل.

ولذلك لم تكن هذه الشبكة استجابةً لظرفٍ مؤقت، بل كانت تمهيدًا لمرحلةٍ سيصبح فيها الاتصال المباشر بالإمام متعذرًا، وتبقى الثقة بالوكلاء والثقات أحد أهم أسباب حفظ الرسالة واستمرارها.

وقد أشار القرآن الكريم إلى قيمة هذه الأمانة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾،

(النساء: 58).

وكان وكلاء الإمام الهادي عليه السلام من أوضح مصاديق هذه الأمانة؛ فقد حملوا أمانة الدين، وأمانة العلم، وأمانة الصلة بين الإمام وأمته، حتى بقيت مدرسة أهل البيت عليهم السلام متماسكة، رغم كل ما أُحيط بها من حصار.

حين ربّى الأمة على الثقة لا على الحضور

اعتاد الناس عبر التاريخ أن ترتبط القيادة بحضور قائدها؛ يلتقون به، ويسألونه، ويشهدون مواقفه بأعينهم. ولكن الإمام علي بن محمد الهادي عليه السلام كان يعلم أن الأيام المقبلة ستفرض على الأمة واقعًا مختلفًا، وأن اللقاء المباشر بالإمام لن يبقى متاحًا كما كان في الأزمنة السابقة.

ولهذا لم يجعل علاقة الناس بالإمامة قائمة على المشاهدة وحدها، بل على الثقة بالمنهج، والاطمئنان إلى الرجال الذين عُرفوا بالصدق والأمانة.

لقد ربّى أصحابه على أن المرجعية ليست في القرب المكاني، وإنما في صدق الانتماء، وصحة النقل، وحفظ الأمانة. ولذلك كان يوصي بالرجوع إلى الثقات المعروفين، ويؤكد مكانتهم أمام الناس، حتى لا تبقى الأمة معلقة بالأشخاص الذين قد تغيبهم الظروف، بل بالمنهج الذي يبقى حيًا في صدور الأمناء.

وهذا ما يفسر عناية الإمام بتوثيق بعض أصحابه أمام الشيعة، وإعلان ثقته بهم، لأن بناء الثقة لم يكن شأنًا شخصيًا، بل ضرورة لحماية الجماعة من الاضطراب إذا اشتدت المحن.

ولم تكن هذه التربية مجرد معالجة لواقع سامراء، بل إعدادًا لما هو أبعد من ذلك بكثير. فقد كان الإمام يغرس في الأمة قدرةً على الثبات حتى في زمنٍ لا ترى فيه إمامها، لكنها تبقى موقنةً بأنه حاضرٌ برسالته، وأن الطريق إليه محفوظٌ بالعلماء الأمناء والثقات الصادقين.

وهكذا انتقلت الإمامة في عهد الإمام الهادي عليه السلام من مرحلة الاعتماد على اللقاء المباشر إلى مرحلة الاعتماد على الوعي والالتزام، وهي نقلةٌ ستظهر آثارها كاملةً بعد سنوات قليلة، عندما تدخل الأمة أعظم امتحان في تاريخها.

وقد عبّر القرآن الكريم عن قيمة هذا الإيمان القائم على اليقين بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، (البقرة: 3).

فالإيمان بالغيب لا يعني الإيمان بما لا دليل عليه، بل الثبات على الحق وإن غاب عن الأبصار، والوثوق بوعد الله وإن تغيّرت الظروف. وهذا هو الدرس الذي بدأ الإمام الهادي عليه السلام يرسخه في نفوس أتباعه، ليكونوا مستعدين للمرحلة التي ستأتي بعده.

*حين أصبح المستقبل جزءًا من الرسالة*

لم يكن الإمام علي بن محمد الهادي عليه السلام ينظر إلى إمامته على أنها مسؤولية تنتهي بانتهاء حياته، بل كان يرى نفسه حلقةً في مشروعٍ إلهي متصل، تتسلم فيه كل إمامة ما قبلها، وتسلّم ما بعدها.

ولهذا لم يكن همه أن يحفظ واقعه وحده، بل أن يهيئ الأمة لما ينتظرها بعده.

فقد أصبحت شبكة الوكلاء أكثر رسوخًا، واتسعت دائرة الثقات الذين ترجع إليهم الجماعة، واستقرت معالم العقيدة التي رسمتها كلمات الإمام وتعاليمه، حتى غدت مدرسة أهل البيت عليهم السلام تمتلك من الوعي والتنظيم ما يجعلها قادرةً على الصمود أمام أشد الظروف.

ولذلك، حين انتقلت الإمامة إلى الإمام الحسن العسكري عليه السلام، لم يبدأ البناء من جديد، بل وجد أساسًا متينًا أرساه الإمام الهادي عليه السلام بصبرٍ بعيد النظر، وحكمةٍ تجاوزت حدود زمانه.

وهنا تتجلى إحدى أعظم خصائص الإمامة؛ فهي لا تتحرك بمنطق ردّ الفعل، وإنما بمنطق التخطيط للمستقبل. فكل إمام كان يبني لما بعده، حتى تبقى الرسالة محفوظةً مهما تبدلت الظروف، ومهما اشتد ضغط السلطة.

ولذلك لم يكن ما صنعه الإمام الهادي عليه السلام نجاحًا مرحليًا، بل كان تأسيسًا لمرحلةٍ ستصبح فيها الأمة مطالبةً بأن تحفظ ارتباطها بإمامها في ظروفٍ لم تعرفها من قبل.

ومن يتأمل هذه المرحلة يدرك أن أعظم إنجازات الإمام الهادي عليه السلام لم يكن موقفًا سياسيًا، ولا مواجهةً عابرة، وإنما أمةً أصبحت أكثر وعيًا، وأكثر قدرةً على حمل الرسالة، وأشد استعدادًا للامتحان القادم.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الامتداد في حمل الرسالة بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾

(السجدة: 24).

فالهداية التي تقوم على الصبر واليقين لا تتوقف عند جيل، ولا تنقطع برحيل إمام، بل تمتد في الأمة ما بقي فيها من يحمل الأمانة، ويثبت على الطريق. ولهذا كان الإمام الهادي عليه السلام يصنع المستقبل وهو يعيش تحت الحصار، لأن الرسالة التي مصدرها الله لا تقاس بظروف الحاضر، بل بما تتركه من أثرٍ في الأجيال القادمة.

ما الذي تركه الإمام للأمة؟

لم تكن إمامة الإمام علي بن محمد الهادي عليه السلام مرحلةً من مراحل الصبر فحسب، بل كانت مرحلةً من مراحل البناء الهادئ.

ففي الوقت الذي انشغلت فيه الدولة العباسية بإحكام الرقابة، كان الإمام يُحكم بناء الإنسان، ويؤسس العقيدة، ويرسخ الثقة، ويعدّ رجالًا يحملون الرسالة من بعده. ولهذا انتهت سنوات الحصار، وبقي ما صنعه الإمام حيًا في الأمة، بينما بقيت أدوات القمع ذكرى في صفحات التاريخ.

لقد أثبت الإمام الهادي عليه السلام أن الرسالة لا تُقاس بمقدار الحرية التي يمنحها الحاكم، بل بمقدار اليقين الذي يغرسه الإمام في قلوب أتباعه. فإذا استقام هذا اليقين، أصبح الحصار وسيلةً لانتشار الرسالة لا لانطفائها.

وهكذا لم يخرج الإمام الهادي عليه السلام من سامراء منتصرًا بالسيف، وإنما خرج منتصرًا بالإنسان الذي ربّاه، والعقيدة التي صانها، والمؤسسة التي أقامها، حتى سلّم الأمانة إلى الإمام الحسن العسكري عليه السلام، وقد أصبحت الأمة أكثر استعدادًا لما ينتظرها.

ويبقى السؤال

إذا كان الإمام الهادي عليه السلام قد نجح في إعداد الأمة، وترسيخ شبكة الوكلاء، وبناء الثقة التي تحفظ ارتباط الناس بإمامهم، فكيف واجه الإمام الحسن العسكري عليه السلام مرحلةً أصبحت فيها الرقابة أشد، والإقامة الجبرية أقسى، والخطر يحيط حتى ببيته؟

وكيف استطاع، في تلك الظروف الخانقة، أن يهيئ الأمة لاستقبال أعظم حدث في تاريخ الإمامة؛ غيبة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف؟

هذا ما نأمل أن نتناوله في المقالة السابعة عشرة، بإذن الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds