
د. حجي الزويد
تمرّ علينا ذكرى رحيل خاتم الأنبياء وسيد المرسلين محمد بن عبدالله ﷺ، فتستعيد القلوب واحدة من أعظم لحظات الحزن في التاريخ الإسلامي؛ يوم فقدت الأمة نبيها، وفقدت المدينة ذلك الوجه الذي أضاء طرقاتها، وذلك الصوت الذي كان يتلو آيات الله، وتلك الرحمة التي كانت تحتضن الضعيف والفقير واليتيم والمحتاج.
لم يكن رحيل النبي محمد ﷺ رحيل قائد عظيم فحسب، ولا غياب رجل غيّر مجرى التاريخ وحسب، بل كان رحيل نبي حمل رسالة السماء، وأخرج الناس من ظلمات الجهل إلى نور الإيمان، وبنى الإنسان قبل أن يبني الدولة والمجتمع.
لقد جاء النبي ﷺ إلى عالم كانت تمزقه العصبيات، وتستنزفه الحروب، ويُظلم فيه الضعيف، وتُهدر فيه كرامة الإنسان، فرفع راية التوحيد، وأعلن أن قيمة الإنسان لا تقاس بماله ولا بنسبه ولا بلونه، وإنما بما يحمله من إيمان وتقوى وعمل صالح.
وكانت أعظم معجزاته بعد القرآن هي ذلك التحول الهائل الذي أحدثه في الإنسان.
حوّل القسوة إلى رحمة، والثأر إلى عفو، والعصبية إلى أخوة، والأنانية إلى إيثار، وعلّم الناس أن القوة ليست في البطش، وأن العظمة ليست في المال والسلطان، وإنما في الأخلاق والعدل والرحمة.
نبي الرحمة:
من أكثر الصفات التي ارتبطت بشخصية النبي محمد ﷺ الرحمة.
قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. [الأنبياء: ١٠٧]
فلم تكن الرحمة خُلُقًا عابرًا في حياته، وإنما كانت منهجًا يرافقه في بيته ومسجده ومجتمعه، وفي تعامله مع الصغير والكبير، والقريب والبعيد.
كان يسمع بكاء الطفل فيخفف صلاته مراعاة لقلب أمه، ويجلس مع الفقراء، ويمسح على رؤوس اليتامى، ويعود المرضى، ويواسي الحزانى، ويكرم أصحابه، ويعلّم الناس برفق.
وحتى حين امتلك القدرة على الانتقام ممن آذوه وأخرجوه وحاربوه، كان العفو حاضرًا في سيرته.
وهنا تتجلى عظمة النبي محمد ﷺ: كان قادرًا فاختار الرحمة، ومنتصرًا فاختار العفو، وقائدًا فاختار التواضع.
محمد ﷺ وبناء الإنسان:
لم يكن مشروع النبي قائمًا على تغيير المظاهر فقط، وإنما بدأ من أعماق الإنسان.
أراد أن يصنع ضميرًا حيًا يراقب الله حتى عندما لا يراه أحد.
ولهذا ربط العبادة بالأخلاق؛ فلا قيمة لصلاة لا تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولا لايمان لا يظهر أثره في الأمانة والصدق والرحمة وحفظ حقوق الآخرين.
فالدين في المدرسة المحمدية ليس كلمات تقال، وإنما حياة تُعاش.
وكان بناء الإنسان هو الأساس الذي قامت عليه بقية التحولات الحضارية في الإسلام.
محمد ﷺ في بيته:
ومن أجمل ما نتعلمه من النبي أن عظمته في المجتمع لم تمنعه من أن يكون إنسانًا قريبًا من أسرته.
فالرسالة التي حملها للعالم بدأت أخلاقها من البيت.
والإنسان قد يستطيع أن يظهر حسن الخلق أمام الناس ساعات، لكن حقيقة أخلاقه تظهر غالبًا داخل منزله، حيث الزوجة والأبناء وأقرب الناس إليه.
ومن هنا فإن الاقتداء بالنبي لا يكون فقط بكثرة الحديث عن سيرته، بل بأن تدخل أخلاقه إلى بيوتنا: في طريقة الحوار، وفي احترام الزوجين، وفي احتواء الأبناء، وفي الرحمة بالصغار، وفي بر الوالدين، وفي ضبط الغضب.
كان يحب الأطفال:
وكان للأطفال نصيب كبير من رحمته.
لم يكن ينظر إلى الطفل على أنه مصدر إزعاج، بل كان يقدّر عالمه ومشاعره وحاجته إلى الحب والاهتمام.
وكان يحمل الأطفال ويلاطفهم ويقبّلهم، ويعلّم الأمة أن الرحمة بالصغير ليست ضعفًا، وإنما من كمال الإنسان.
وكم يحتاج أطفالنا اليوم إلى هذه التربية المحمدية؛ تربية تقوم على الحب والقدوة والحوار والرحمة، بعيدًا عن الإهانة والقسوة والتحقير.
ماذا بقي لنا بعد رحيله؟
رحل النبي ﷺ، ولكن القرآن الذي بلّغه باقٍ.
ورحلت خطواته عن طرقات المدينة، لكن سيرته بقيت طريقًا للأجيال.
وسكت ذلك الصوت الذي كان يعلّم أصحابه، لكن كلماته ومواقفه وقيمه ما زالت حاضرة في ضمير الأمة.
ولهذا فإن الوفاء الحقيقي للنبي ليس مجرد الحزن في ذكرى رحيله، على عظمة هذا الحزن، وإنما أن نسأل أنفسنا:
كم بقي من محمد ﷺ في حياتنا؟
كم بقي من صدقه في كلامنا؟ ومن أمانته في أعمالنا؟ ومن رحمته في بيوتنا؟ ومن عفوه في خصوماتنا؟ ومن تواضعه عندما ننجح؟ ومن عدله عندما نختلف؟ ومن رحمته بالضعفاء عندما نمتلك القوة؟
هذه الأسئلة تجعل الذكرى مسؤولية، لا مجرد مناسبة عاطفية.
حين تصبح السيرة مرآة:
من السهل أن نقرأ سيرة النبي ونعجب بعظمته، لكن الأصعب والأهم أن نجعلها مرآة نقيس بها أنفسنا.
حين نقرأ عن حلمه، ننظر إلى غضبنا.
وحين نقرأ عن عفوه، ننظر إلى خصوماتنا.
وحين نقرأ عن تواضعه، ننظر إلى تعاملنا مع الآخرين.
وحين نقرأ عن رحمته بأهله، ننظر إلى بيوتنا.
وحين نقرأ عن صدقه وأمانته، ننظر إلى معاملاتنا وأعمالنا.
وحينها تتحول السيرة من أحداث وقعت قبل قرون إلى مشروع أخلاقي يعيش معنا كل يوم.
الرحيل الذي وضع الأمة أمام مسؤوليتها:
كان رحيل رسول الله ﷺ لحظة فارقة؛ لأن الأمة التي عاشت في حضرته أصبحت بعده مسؤولة عن حفظ رسالته وقيمه.
وهذه المسؤولية لا تنتهي بانتمائنا إلى الإسلام، وإنما تبدأ منه.
فنحن مسؤولون عن الصورة التي نقدم بها دين النبي محمد للعالم.
إذا رأى الناس فينا الرحمة والعدل والأمانة والوفاء وحسن المعاملة، رأوا شيئًا من جمال الرسالة.
أما إذا تحدثنا عن النبي كثيرًا وخالفت أخلاقنا أخلاقه، فإن الكلمات وحدها لا تكفي.
أعظم الوفاء… أن نعيش أخلاقه:
في ذكرى رحيله ﷺ، لسنا بحاجة فقط إلى أن نحكي لأبنائنا متى ولد النبي ومتى هاجر ومتى رحل، على أهمية معرفة سيرته، وإنما نحتاج إلى أن نجعلهم يعرفون من كان النبي محمد.
نخبرهم عن رحمته، وعن صدقه، وعن أمانته، و عن حبه للأطفال، وعن احترامه للإنسان، وعن عفوه، وعن تواضعه، عن صبره.
ثم نجعل هذه القيم حاضرة في البيت حتى يلتقي ما يسمعه الطفل عن النبي بما يراه في سلوك والديه.
فأجمل درس نقدمه لأطفالنا عن رسول الله ﷺ ليس درسًا نحفظهم إياه، وإنما خُلُقًا محمديًا يرونه فينا.
رحل الحبيب وبقي النور:
مرت القرون منذ رحيل رسول الله ﷺ، وتغيرت الدول والمجتمعات والحضارات، لكن اسم محمد بقي حاضرًا في القلوب والمآذن والصلوات.
يولد الإنسان المسلم فيسمع اسمه، ويكبر وهو يتعلم سيرته، ويذكره في صلاته، ويصلي عليه، ويتمنى أن يحشر في زمرته.
وهذه إحدى صور خلود الرسالة؛ أن يغيب الجسد ويبقى الأثر حيًا في ملايين القلوب جيلًا بعد جيل.
وفي ذكرى رحيله، لا نملك إلا أن نقف أمام سيرته بمحبة وحزن وامتنان، وأن نجدد العهد بأن تكون أخلاقه حاضرة في بيوتنا ومجتمعاتنا وتعاملاتنا.
السلام عليك يا رسول الله يوم ولدت، ويوم بعثت رحمة للعالمين، ويوم رحلت إلى جوار ربك.
سلامٌ على النبي محمد ﷺ، النبي الذي رحل جسده عن الدنيا، وبقيت رسالته نورًا، وبقيت سيرته مدرسة، وبقي حبه ساكنًا في قلوب المؤمنين.





