
يوسف الطويل
الحلقة الثانية: النفس والروح والموت والوفاة
في الحلقة الأولى بدأنا بسؤال: ما الموت؟
ولكننا وجدنا أننا لا نستطيع أن نفهم الموت قبل أن نفهم نقيضه: الحياة.
رأينا أن العلم يستطيع أن يصف مظاهر الحياة وعملياتها؛ فالخلية تنقسم، والقلب ينبض، والدم يجري، والدماغ يعمل. ولكن وصف هذه العمليات لا يحسم وحده سؤالًا آخر أكثر تعقيدًا: ما حقيقة الإنسان الذي تجري فيه كل هذه العمليات؟
ومن هنا ننتقل خطوة أخرى في البحث.
النفس والروح
اعتدنا عندما يموت إنسان أن نقول: (خرجت روحه)، حتى ترسخت في أذهاننا صورة أن داخل الجسد روحًا، وأن هذه الروح هي الإنسان نفسه.
ولكن التعبير القرآني يحتاج إلى قراءة أدق.
يقول تعالى:
﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ (السجدة: 9).
فالقرآن يتحدث هنا عن النفخ من الروح.
لكن عندما يتحدث عن الموت يقول:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (آل عمران: 185).
وعندما يتحدث عن التوفّي يقول:
﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ (الزمر: 42).
وعندما يتحدث عن الكسب والمسؤولية يقول:
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر: 38).
هذا الاختلاف في التعبير لا يكفي وحده للقول إن الروح والنفس حقيقتان منفصلتان تمامًا، ولكنه يكفي لأن نتوقف عن استعمال الكلمتين وكأنهما مترادفتان بالضرورة.
فالنفخ نُسب إلى الروح، بينما الموت والتوفّي والكسب والمسؤولية نُسبت إلى النفس.
وهذا التفريق سيكون مهمًا جدًا عندما نصل إلى حقيقة الموت.
من الجنين إلى الإنسان
لنرجع قليلًا إلى بداية تكوين الإنسان.
يقول تعالى:
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ (المؤمنون: 13–14).
الآيات تصف سلسلة من التحولات في تكوين الجنين: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظامًا ولحمًا.
ثم يتغير التعبير:
﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾.
القرآن لا يقول صراحة إن هذا (الخلق الآخر) هو النفس، ولذلك لا ينبغي أن ننسب إلى النص ما لم يقله.
ولكن التعبير يسمح لنا بملاحظة أن بناء الإنسان لا يُعرض هنا باعتباره مجرد استمرار في وصف المراحل الجسدية؛ فبعد تلك المراحل يأتي الحديث عن إنشاء آخر.
ومن الناحية البيولوجية، يبدأ الجنين منذ مراحله المبكرة بخلايا حية تنقسم، ثم تتمايز تدريجيًا لتكوين أنسجة وأعضاء. فالحياة البيولوجية والنمو موجودان أثناء هذه المراحل المبكرة من التكوين.
وهذا يعني أن وجود الحياة البيولوجية وحده لا يكفي لكي نساوي بينها وبين مفهوم الروح أو النفس.
وعند جمع ذلك مع قوله تعالى:
﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾،
يظهر أمامنا احتمال يستحق التأمل: أن النفس ليست بالضرورة كيانًا جاهزًا موجودًا خارج الجسد ثم يدخل إليه، وإنما ترتبط بنشوء الإنسان نفسه وتكامله، بينما (نفخة الروح) مفهوم آخر ينبغي ألا نختزله تلقائيًا في المعنى الشعبي لعبارة (الروح التي داخل الجسد).
وهذه قراءة تحتاج إلى مزيد من البحث، وليست حكمًا نهائيًا.
من الذي يموت؟
عندما نصل إلى الموت، يصبح التعبير القرآني أكثر وضوحًا:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾.
النص هنا ينسب تذوق الموت إلى النفس.
وهنا نصل إلى كلمة نستعملها يوميًا باعتبارها مرادفًا للموت: الوفاة.
نقول: توفي فلان، ونقصد: مات.
ولكن القرآن يضع أمامنا تفريقًا يستحق الانتباه:
﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (الزمر: 42).
الآية تتحدث عن حالتين مختلفتين:
نفس تُتوفّى عند موتها.
ونفس تُتوفّى في منامها وهي لم تمت.
وهذا يعطينا نتيجة مهمة: التوفّي لا يساوي الموت في كل استعمال قرآني؛ لأن التوفّي وقع في الآية على الميت وعلى غير الميت.
الوفاة ليست الموت
أصل مادة (وفى) في العربية يدور حول التمام والاستيفاء، ومن استعمالاتها أخذ الشيء كاملًا واستيفاؤه.
وعندما نقرأ آية الزمر على ضوء هذا الأصل اللغوي، يظهر الفرق بصورة أوضح: هناك توفٍّ للنفس، لكن نتيجة هذا التوفّي ليست واحدة في الحالتين.
في حالة يقول تعالى:
﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾.
وفي الأخرى:
﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
إذن الموت والوفاة مرتبطان، لكنهما ليسا بالضرورة حدثًا واحدًا.
وهذا التفريق يعيد ترتيب الصورة التي اعتدناها.
فبدل أن نجمع الحياة والروح والنفس والموت والوفاة في تصور واحد، يبدو أن القرآن يستخدم هذه المفاهيم بطريقة أكثر تمايزًا.
الجسد له حياته ووظائفه.
والقرآن يتحدث عن نفخة من الروح.
ويتحدث عن النفس بوصفها محل الكسب والمسؤولية، وهي التي تذوق الموت ويقع عليها التوفّي.
ثم يفرّق بين نفس تُمسك ونفس تُرسل.
وهنا نصل إلى باب جديد.
فالإنسان ينام كل ليلة، والقرآن يصف ما يحدث للنفس أثناء النوم بالتوفّي، ثم يقول إن نفسًا تُرسل ونفسًا تُمسك.
فما الذي يحدث لنا أثناء النوم؟ ولماذا تعود نفس، بينما لا تعود أخرى؟
والأهم:
﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
ما هذا الأجل المسمى؟
من هنا نبدأ الحلقة القادمة:
النوم والأجل… لماذا تعود نفس ولا تعود أخرى؟





