
أحمد الخرمدي
إن من أدق المراحل وأهمها وأصعبها، هي المرحلة التي انتقلت فيها البشرية أجمع من الظلام الدامس (الجاهلية) إلى الضياء المشرق (الإسلام) بعد أن اعتاد أصحاب الضلال من المشركين على النمط المخزي وسلوك الجاهلية الرعناء في شتى مناهج حياتهم، وأجمعوا على بقاء الأفكار والعادات السيئة وسعوا لاستنساخها، والأكثر سوءًا أن المشركين أرادوا أن تورث تلك العادات الجاهلية جيلًا بعد جيل وتغط في سباتها.
حتى أذن الله سبحانه وتعالى أن ينير الأكوان بمبعث خير الخلائق أجمعين، حاملًا القرآن المنزل نهجًا سماويًّا أحدث تغييرًا شاملًا في شتى مدارات الحياة الأخلاقية والسلوكية والإجتماعية وكل ما من شأنه الحفاظ على الإنسان وكرامته.
وقد اختار واصطفى سبحانه وتعالى من خلقه من هو أفضلهم وأكرمهم وأخيرهم، ليحمل خاتم رسالاته السماوية، قال تعالى: “لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ” (سورة التوبة، الآية 128)
وقال تعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ] (الآية) .
إن الرحمة المطلقة -وهي من أعظم الصفات الإلهية- تجلت في شخصية نبي الأمة (ص) وكانت الأساس الأول الذي بني عليه هذا الدين ليكون ثابتًا وخالدًا.
ولقد جاءت رسالة الإسلام حاملة التعاليم الإلهية العظيمة، لترفع شأن الأمة وتجعلها أساسًا للعدل والأخلاق والتعامل الحسن، بين الناس، وحيث خاطب الله سبحانه وتعالى، نبيه الكريم صلى الله عليه وآله وسلم بقوله عز وجل: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} وهي شهادة من رب العالمين لنبيه ( ص) وكما جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه قال : «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق». وقد سار على هذا النهج القويم، وهذه الرسالة المحمدية الشريفة، أئمة الهدى من آل بيت الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، حاملين الأمانة تجاه الأمة الإسلامية، والكون بأكملة، في إقامة العدل واحترام القيم والمفاهيم الإنسانية إيمانًا راسخًا وكلمة صادقة ونهج منير،
قال تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ} [سورة التوبة, الآية 32].
قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، كانت حجة الوداع، وبعدها نزل قول الله عز وجل:
{ اليومَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ علَيْكُم نِعْمَتي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلَامَ دِينًا } [ المائدة: 3 ] وهي
الآية التي أبكت المسلمين، وقد أستشعروا رضوان الله عليهم أنها، نعيّ لرحيل الحبيب نبي الأمة (ص) للرفيق الأعلى.
سيبقى التاريخ وإن طال الزمن، يتذكر هذا الرحيل الموجع حتى قيام الساعة، مؤكدًا على أنه لم تمر على المسلمين فاجعة مؤلمة مثل فاجعة رحيل، النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والتي اعتبرت أعظم فاجعة عظيمة على أمة الأسلام، حيث أنقطع الوحي وغاب سيد الكائنات نبي الرحمة وخاتم الأنبياء، عن الوجود.





