أقلام

يد تصنع جيلا

حكيمة آل نصيف

عاشت المرأة في الأزمنة القديمة مهمشة، ليس لها أي تقدير أو مكانة تذكر، سوى أنها زوجة تستعبد وتهان، وتداس كرامتها في قاع الأرض، وليس لها – على حد تفكير المجتمع – أي دور يذكر، سوى أنها آلة هدفها خدمة الرجل وإنجاب الأولاد، في مقابل معاملة سيئة لا تنم عن اعتبارها فردًا له مشروعية العيش بأمن وسلام.

إلى أن جاء الإسلام، فرفع من قدر ذلك المخلوق العظيم، رافعًا عن كاهلها ثقل المعاناة والظلم، ومبينًا مكانتها وعلو شأنها، ومتتبعًا تاريخ الحضارات الإنسانية، ومستشهدًا بنماذج من التاريخ الإنساني لشخصيات رسالية كانت الأنموذج الأكمل للنساء في تلك الأزمنة، كمريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم، ناهيك عن خديجة بنت خويلد وفاطمة الزهراء عليهم السلام.

إن الإسلام لم ينظر إلى المرأة على أنها مجرد جسد له قيمة ظاهرية من خلال ما تمتلكه من مقومات جمالية مادية تلفت وتثير الانتباه لكل من يراها، بل رفع مكانتها، واعتبرها رمزًا للكمال الإنساني، وعنصرًا رئيسًا في إصلاح المجتمع، ومنشأ للفضيلة والصلاح والعفة.

ومن هنا كانت المرأة هي المحور الرئيس في إعداد وإخراج الجيل الصالح من خلال الطرق التربوية التي تقوم بها.

فالتربية، هذه الوظيفة التي تتبناها الأم، ليست عملًا سهلًا أو هينًا، بل هي عملية معقدة تحتاج إلى روح واعية، وعقل وقلب مدركين لحقيقة الأمور؛ فكل موقف تربوي، سواء كان بنظرة أو كلمة أو سلوك، لا بد أن يترك أثرًا فعالًا في شخصية الأبناء، ويمتد أثره ويتعاقب عبر الأجيال.

فالطفل، وإن كان يتربى تحت جناحي الوالدين، إلا أن ارتباطه بالأم يكون له أثر كبير في تكوين شخصيته وسلوكه؛ فهو لا يحتاج إلى الكتب التربوية والمحاضرات النفسية ليتعلم السلوكيات والأخلاق فحسب، وإنما أمه هي المرآة التي ينظر إليها، ومن خلالها يتعلم ويكتسب المهارات والسلوكيات الصحيحة.

فهي بمثابة الكتاب الأخلاقي والسلوكي والتربوي الذي يقرأ فيه، ومن خلاله تتكون شخصيته الفاعلة في المجتمع.

ومن حديثها، ولباقتها في التعامل، وسلوكياتها الإيجابية، يتعلم فن التعامل مع الآخرين. وفي صبرها وتحملها لصعاب الحياة وما تواجهه من مشكلات، وهي مؤمنة بما كتبه الله، شاكرة محتسبة، تقدم له دروسًا أخلاقية في الإيمان بالقضاء والقدر، وفي الصبر والرضا والثبات أمام تقلبات الحياة.

وحفاظها على فروض الطاعة والعبادة لله عز وجل يقدم له أنموذجًا حيًّا للعبد الحقيقي لله، الذي يعبد الله لأنه أهل للعبادة، لا خوفًا منه فحسب، ولا طمعًا في ثوابه وحده.

فهكذا تمثل الأم القدوة النيرة لأبنائها بما تمتلكه من مقومات تربوية، وبما تجسده في حياتها اليومية من قيم ومبادئ.

وليس معنى ذلك أن تكون الأم هي المسؤولة وحدها عن كل سلوك يصدر عن أبنائها، ولكن المشكلة تظهر أحيانًا عندما تعيش الأم حالة من عدم المبالاة في حياة الأبناء، وعدم التوجيه لما فيه صلاحهم؛ فترى الخطأ من أبنائها وتقف كالمتفرج، متذرعة ببعض المفاهيم الخاطئة، من قبيل أن لكل زمن جيله، وأن الحياة تتغير، وأننا لا نستطيع الوقوف أمام جموح هذا الجيل ومتغيراته.

فتراه يقصر في علاقته بربه، وفي بره بوالديه، وفي علاقاته بأسرته ومجتمعه، بينما يغيب عنصر الإرشاد والتوجيه، وهنا تبدأ المنظومة التربوية في الانهيار، ويخرج لنا جيل مائع متفلت من المسؤولية الملقاة على عاتقه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds