أقلام

النبي محمد ﷺ السراج المنير الذي أضاء طريق الإنسان

د. حجي الزويد

قال الله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ۝ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾

[الأحزاب: 45-46].

في هاتين الآيتين يرسم القرآن الكريم صورةً جامعةً لرسالة النبي محمد ﷺ، فلا يقدّمه مجرد ناقلٍ للوحي، بل نبيًّا اصطفاه الله ليكون شاهدًا، ومبشّرًا، ونذيرًا، وداعيًا إلى الله، وسراجًا منيرًا.

خمس صفات تختصر أبعاد الرسالة المحمدية، وتكشف طبيعة المشروع الذي جاء به النبي ﷺ لبناء الإنسان وهدايته؛ فهو شاهدٌ على الأمة وأعمالها، ومبشّرٌ برحمة الله وثوابه، ونذيرٌ من عاقبة الانحراف والمعصية، وداعٍ إلى الله بإذنه، يقود الإنسان إلى معرفة ربه وعبادته، ثم يبلغ الوصف ذروته في قوله تعالى: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾، ليعبّر عن امتداد نور النبوة في العقل والقلب والحياة.

وليس اجتماع هذه الصفات وترتيبها أمرًا عابرًا؛ فهي ترسم مسارًا متكاملًا للرسالة: شهادةٌ تقيم الحجة، وبشارةٌ تفتح أبواب الرجاء، وإنذارٌ يوقظ الضمير، ودعوةٌ تقود إلى الله، ونورٌ يكشف الطريق ويبدد الظلام.

وكأن القرآن يريد أن يقول لنا إن رسالة محمد ﷺ ليست مجموعةً من الأوامر والنواهي فحسب، وإنما هي مشروع نور وهداية لبناء الإنسان؛ ينتقل به من ظلمات الجهل والشرك والظلم إلى نور الإيمان والمعرفة والرحمة، ومن ضياع الغاية إلى وضوح الطريق، ومن عبودية الأهواء إلى العبودية لله تعالى.

أولًا: شاهدًا حضور الرسالة في حياة الإنسان

بدأت الآية بصفة الشهادة: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾، وهي منزلة عظيمة تشير إلى أن النبي ﷺ شاهد على أمته وأعمالها، كما قال تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. [البقرة: ١٤٣].

ليست الشهادة القرآنية مجرد معرفة بأسماء الناس أو انتمائهم الظاهري، وإنما ترتبط بما يصدر عن الإنسان من إيمان وعمل وموقف.

فالعمل هو الذي يكشف حقيقة استجابة الإنسان لله ورسوله.

ومن هنا يمكن فهم شهادة النبي ﷺ على أنها شهادة على مسيرة الإنسان العملية في علاقته بالرسالة: كيف آمن؟ وكيف أطاع؟ وكيف تعامل مع أوامر الله ونواهيه؟ وكيف انعكس الإيمان على أخلاقه وسلوكه؟

وقد أشار العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي في الميزان عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ إلى أن شهادته ﷺ على الأعمال تقتضي تحمّل الشهادة في هذه النشأة وأداءها يوم القيامة.

وهذا معنى بالغ الأهمية؛ لأن من يؤدي الشهادة يوم القيامة لا بد أن تكون شهادته قائمة على علم أتاحه الله تعالى له بما يشهد عليه.

الرسول ﷺ شهيد على الشهداء

ويزداد المعنى وضوحًا عند جمع الآيات بعضها إلى بعض.

فالقرآن يقول: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.

وهذا يعطي النبي ﷺ مقامًا متميزًا في منظومة الشهادة؛ فهو شاهد على الأمة وعلى الشهداء الذين أقامهم الله حجة على الناس.

ومن هنا عبّر بعض المفسرين عن النبي ﷺ بأنه شهيد الشهداء؛ أي أن شهادته ذات موقع جامع في نظام الشهادة الذي يظهر يوم القيامة.

وهذا المقام ينسجم مع كونه خاتم الأنبياء وصاحب الرسالة الخاتمة الموجهة للناس جميعًا

ثانيًا: مبشّرًا، الدين الذي يفتح أبواب الأمل

ثم قال تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا﴾.

والبشارة جزء رئيس من المنهج النبوي؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بالخوف وحده. إنه يحتاج إلى الأمل، وإلى الشعور بأن الخير الذي يزرعه لن يضيع، وأن الصبر له ثمرة، وأن الرحمة والإحسان والطاعة والإصلاح لها جزاء عند الله.

جاء النبي محمد ﷺ يبشّر المؤمنين برحمة الله ومغفرته ورضوانه وجنته، بل إن القرآن يشير إلى أن عطاء الله يتجاوز الحساب المادي بين العمل والجزاء، فقال سبحانه: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾.

فالإنسان يعمل بقدر استطاعته، ولكن الله يعطيه من فضله فوق ما يتصور.

وهنا يظهر البعد النفسي والتربوي في الرسالة؛ فالمؤمن لا يتحرك فقط خوفًا من العقوبة، وإنما يتحرك كذلك شوقًا إلى الله، ورجاءً في رحمته، وطمعًا في فضله.

ثالثًا: نذيرًا، حماية الإنسان من السقوط

وإلى جانب البشارة جاءت صفة الإنذار: ﴿وَنَذِيرًا﴾.

فالحياة لا تستقيم بالبشارة وحدها، كما أنها لا تستقيم بالتخويف وحده. الإنسان يحمل في داخله رغبةً في تحصيل الخير، كما يحمل غريزةً تدفعه إلى تجنب الضرر؛ ولذلك جمع المنهج القرآني بين الترغيب والترهيب، وبين الرجاء والخوف.

فالنبي ﷺ يبشّر الإنسان عندما يسير في طريق الخير، وينذره عندما يسلك طريق الظلم والكفر والفساد والعدوان.

والإنذار النبوي ليس تهديدًا هدفه إرعاب الإنسان، وإنما تحذير رحيم يشبه من يرى إنسانًا يقترب من خطر فيناديه قبل أن يسقط فيه.

وهكذا يصبح الإنذار صورةً أخرى من صور الرحمة.

رابعًا: داعيًا إلى الله لا إلى ذاته

ثم تنتقل الآية إلى صفة عظيمة: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾.

لم يكن النبي ﷺ يدعو الناس إلى شخصه، ولا إلى مجد دنيوي، ولا إلى سلطة ذاتية، وإنما كان يأخذ بأيديهم إلى الله.

وهذه من أعظم سمات الرسالة المحمدية.

فالغاية ليست أن يتعلق الإنسان بالداعية وينسى الله، وإنما أن يكون الداعية جسرًا يعبر الإنسان من خلاله إلى معرفة الله وطاعته ومحبته.

ولذلك قيّد القرآن الدعوة بقوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾، ليؤكد أن الرسالة ليست مشروعًا شخصيًا للنبي، وإنما تكليف إلهي. فهو يتحرك بأمر الله، ويدعو إلى الله، ويبلّغ دين الله.

ومن هنا كانت الدعوة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون خطابًا؛ لأن من يدعو إلى الله ينبغي أن يدلّ الناس عليه بأخلاقه كما يدلّهم عليه بكلماته.

خامسًا: سراجًا منيرًا، أروع صور الرسالة

ولعل أبلغ هذه الصفات وأجملها قوله تعالى: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾.

لم يقل القرآن إن النبي يحمل سراجًا فقط، وإنما وصفه بأنه سراج منير.

والسراج مصدر للنور، والنور في القرآن يرتبط بالهداية والمعرفة والحياة والبصيرة والخروج من الظلمات.

وما أجمل هذا التشبيه.

فشخصيته سراج، وأخلاقه سراج، ورحمته سراج، وتعليمه سراج، وسيرته سراج، وما جاء به من عند الله نور يهدي الإنسان.

والسراج لا يزيل الظلام فقط، بل يكشف الطريق.

فالإنسان في الظلام يفقد القدرة على رؤية الطريق، وقد يكون الطريق أمامه لكنه لا يعرف أين يضع قدمه. وكذلك الإنسان عندما يفقد الهداية؛ قد يمتلك المال والعلم والقوة، لكنه لا يعرف لماذا يعيش، ولا إلى أين يسير، ولا كيف يستخدم ما يمتلكه.

وجاء النبي محمد ﷺ ليضيء الطريق.

ماذا أضاء محمد ﷺ؟

لم تكن الظلمات التي واجهها النبي ظلمةً واحدة.

كانت هناك ظلمة الشرك، وظلمة الجهل، وظلمة العصبية، وظلمة الظلم، وظلمة احتقار الضعفاء، وظلمة تقديم القوة على الحق.

فأضاء في ظلمة الشرك نور التوحيد.

وفي ظلمة الجهل نور العلم.

وفي ظلمة القسوة نور الرحمة.

وفي ظلمة العصبية نور الأخوة.

وفي ظلمة الظلم نور العدل.

وفي ظلمة فقدان الإنسان لكرامته أعاد إليه معنى أنه مخلوق مكرّم مسؤول أمام الله.

ولهذا فإن النور المحمدي لم يكن نور محراب فحسب، بل نور حياة.

دخل البيت والسوق والمجتمع.

دخل علاقة الإنسان بوالديه وأبنائه وجيرانه.

دخل أخلاق البيع والشراء.

دخل طريقة الاختلاف والحوار.

دخل التعامل مع الفقير واليتيم والمسكين.

فكانت الرسالة بناءً للإنسان كله.

النور لا يجبر أحدًا على رؤيته:

لكن هناك معنى دقيقًا في تشبيه النبي ﷺ بالسراج.

فالشمس تشرق على الجميع، لكن ليس كل إنسان ينتفع بنورها بالدرجة نفسها. والنور موجود، ولكن من يغلق عينيه لن يراه.

وكذلك الهداية.

لقد كان النبي ﷺ بين الناس، يسمعون القرآن من فمه، ويرون أخلاقه وصدقه وأمانته، ومع ذلك آمن به قوم وعاند آخرون.

وهذا يعلمنا أن وجود الدليل وحده لا يكفي إذا أغلق الإنسان قلبه بالتعصب أو المصالح أو الهوى.

فالقرآن لا يطلب من الإنسان عينًا ترى فقط، وإنما قلبًا مستعدًا لأن يرى الحقيقة.

النور يصنع الحياة:

والتعبير بـ ﴿سِرَاجًا مُنِيرًا﴾ يحمل دلالات أبعد من مجرد إزالة الظلام.

فالنور يمنح الأمان، ويساعد الإنسان على معرفة الطريق، ويجمع الناس، ويكشف الأخطار، وبه تنمو الحياة.

وهكذا كانت رسالة النبي محمد ﷺ.

فحيث دخل نورها الحقيقي تراجعت عبادة الأصنام، وارتفعت قيمة الإنسان، وأصبح للفقير حق، ولليتيم كرامة، وللمرأة مكانتها الإنسانية، وللعلم قيمة، وللرحمة حضور، وللعدل معنى.

لقد جاء النبي ﷺ إلى مجتمع مزقته العصبيات، فدعا إلى الأخوة، وإلى مجتمع يفاخر بالقوة فرفع قيمة الرحمة، وإلى عالم تتفاوت فيه قيمة الإنسان بحسب نسبه وماله فأعلن أن الميزان الحقيقي هو التقوى.

النبي محمد ﷺ مشروع بناء للإنسان:

ولذلك فإن الاحتفاء بالنبي ﷺ لا ينبغي أن يبقى محصورًا في الحديث عن أحداث سيرته، على عظمة هذه الأحداث، وإنما ينبغي أن يتحول إلى سؤال:

كم بقي من نور النبي محمد ﷺ في سلوكنا؟

فإذا كان هو سراج الرحمة، فكم في بيوتنا من الرحمة؟

وإذا كان سراج الأخلاق، فأين الصدق والأمانة والعفو في معاملاتنا؟

وإذا كان داعيًا إلى الله، فهل تقرّب طريقتنا في التدين الناس من الله، أم تجعلهم ينفرون؟

وإذا كان مبشرًا ونذيرًا، فهل حافظ خطابنا الديني والتربوي على التوازن بين الأمل والمسؤولية، وبين الرحمة والمحاسبة؟

إن اتباع النبي ﷺ ليس مجرد تعلق عاطفي بشخصيته العظيمة، بل محاولة مستمرة لتحويل نوره إلى سلوك يومي.

السراج الذي لا ينطفئ:

لقد رحل النبي محمد ﷺ عن هذه الدنيا، لكن السراج الذي أوقده الوحي لم ينطفئ.

بقي القرآن، وبقيت سنته وسيرته، وبقيت قيم الرحمة والعدل والإيمان والمعرفة التي حملها إلى الإنسانية.

ولهذا فإن وصفه بـ ﴿سِرَاجًا مُنِيرًا﴾ ليس وصفًا لمرحلة تاريخية انتهت، بل وصف لرسالة ممتدة في الزمن.

وكلما ازدادت ظلمات الإنسان المعاصر، ازدادت حاجته إلى ذلك النور: في زمن القلق يحتاج إلى الطمأنينة، وفي زمن الصراع يحتاج إلى الرحمة، وفي زمن المادية يحتاج إلى المعنى، وفي زمن الاستقطاب يحتاج إلى الأخلاق، وفي زمن كثرة المعلومات يحتاج إلى البصيرة.

وهكذا تجتمع الصفات الخمس في صورة واحدة متكاملة:

شاهدًا يقدّم الأنموذج، ومبشّرًا يزرع الأمل، ونذيرًا يحمي من السقوط، وداعيًا إلى الله يحدد الغاية، وسراجًا منيرًا يكشف الطريق.

وتبقى الآية من أجمل ما وصف الله تعالى به نبيه محمدًا ﷺ، لأنها لا تحدثنا فقط عمّن كان النبي، وإنما تحدثنا أيضًا عمّا ينبغي أن تصنعه رسالته فينا:

أن نخرج من الظلمة إلى النور، ومن الجهل إلى المعرفة، ومن القسوة إلى الرحمة، ومن الضياع إلى الهداية، ومن عبودية الأهواء إلى العبودية لله تعالى.

في ذكرى الرحيل:

في ذكرى رحيل رسول الله ﷺ لا نقف أمام ذكرى موت، بل أمام مسؤولية حياة.

نحزن لأن النبي ﷺ رحل، ولكن حزننا ينبغي أن يقودنا إلى الاقتراب من رسالته.

نبكي لفقده، ولكن أجمل دمعة عليه تلك التي تغسل قسوةً من القلب.

ونصلّي ونسلّم عليه، ولكن أجمل الصلاة عليه تلك التي يرافقها اقتداء بأخلاقه.

ونقرأ سيرته، ولكن أجمل قراءة للسيرة تلك التي تغيّر شيئًا في سلوكنا.

لقد رحل محمد ﷺ عن هذه الدنيا، لكن السراج لم ينطفئ.

ما يزال نوره حاضرًا في كل قلب عرف الله من خلال رسالته، وفي كل بيت سكنت فيه الرحمة، وفي كل يد امتدت إلى فقير، وفي كل كلمة أصلحت بين اثنين، وفي كل إنسان قاوم الظلم، وفي كل قلب اختار العفو وهو قادر على الانتقام.

فإذا كان النبي محمد ﷺ سراجًا منيرًا، فإن الوفاء الحقيقي له أن نحمل من ذلك النور في قلوبنا وأخلاقنا وأعمالنا، وأن يصبح حضوره في حياتنا منهجًا يُعاش، لا ذكرى تُروى فحسب.

وسيبقى قول الله تعالى شاهدًا على عظمة هذا الإنسان والرسول:

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ۝ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾.

سلامٌ على رسول الله ﷺ يوم وُلد، ويوم حمل أمانة الرسالة، ويوم ملأ الدنيا نورًا ورحمة، ويوم رحل إلى جوار ربه، ويوم يُبعث شاهدًا على أمته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds