أقلام

خطر تأثير الأجهزة الذكية

السيد علي السلمان

تؤدي العلاقة الأسرية بين الزوجين والأبناء دورًا مهمًا في تحديد قوة أو ضعف الروابط الأسرية بين أفراد الأسرة الواحدة، مما ينعكس على استقرار تلك الأسرة، فهي تعيش في حالة اتزان في علاقاتها البينية كلبنة أساسية لبناء المجتمع، وذلك عندما تكون تلك العلاقة موسومة بالإنصاف والعدل، خالية من التحيز والمفاضلة لأحد الأبناء على غيره في المكانة والمنزلة.

إن الاهتمام بالأبناء من خلال فتح قنوات التواصل المباشر، سواء كانت جلسات حوارية لمناقشة الآراء والأفكار المطروحة، أو حتى فكاهية لخلق أجواء السعادة والبهجة، يكسب الأبوين الارتياح والقرب النفسي لتفهم وجهات النظر المختلف فيها، مما يوطد تلك العلاقة ويدعم بناء جسور الثقة بين جميع الأفراد.

الاختيار الصعب

كثيرًا ما نلاحظ من الأسر المعاصرة في هذه الأيام أنها تعيش البعد النفسي والشح العاطفي كنتيجة طبيعية جراء تأثير الأجهزة الذكية واستخدام وسائل التقاطع (وليس التواصل) في حياتها اليومية، والتي ألقت بظلالها على تلك الأسر في تغيير جذري لعاداتها الأصيلة ومبادئها الثابتة، فنرى دور تلك الوسائل والأجهزة حاضرًا وجليًا في تجفيف منابع المشاعر الجياشة واستبدال العلاقة الفطرية السليمة بالعلاقة المنسلخة من روحها والمجردة من ذاتها، بالضبط كعلاقة الجماد بالجماد.

في حقيقة الأمر، قد يكون الشكل الخارجي مطعمًا بالفسيفساء البراقة لبعض الأسر من المنزل الجديد والحياة المنعمة ووسائل النقل الفارهة، إلا أن هذا بالطبع لا يعطي القراءة الصحيحة لحقيقة استقرار الأسرة وخلوها من المشاكل السلوكية أو الأخلاقية، فالشكل الخارجي شيء واللب والجوهر شيء آخر، ذلك لأن تفكك عرى التواصل من الداخل وتصدع كيانها لا يطفو على السطح أمام أعين الناس.

وما نلاحظه في مجتمعنا هذا أن كثيرًا من أحوال الأسر تشكو من ظاهرة معاناة الإفراط في استخدام وسائل التواصل والأجهزة الذكية على حساب أبنائها، في إشارة واضحة إلى زيادة انشغال الأبوين عن اهتمامات أبنائهم ممن هم مرتادو نوادي الشاشات المسطحة، وإهمال وتجاهل رغبات الأبناء الضرورية وحاجتهم النفسية من الكلمة المعبرة واللمسة الحنونة والنظرة الحانية الممتلئة بالحب والعاطفة.

آنذاك

على مستوى الأسر الخليجية، تميزت طبيعة الحياة آنذاك بالمشقة وصعوبة التحمل، ذلك لظروف العيش القاسية والفقر المدقع التي كانت تعاني منها من شظف العيش وقلة الموارد وصعوبة التنقل، إلا أن ذلك كله لم يكن حائلًا ولا عائقًا عن تواصل وتزاور تلك الأسر، حيث إنها كانت تعج بتجمع أبنائها في المناسبات الشعبية والمناسبات الدينية وغيرها، كتجمع بني العمومة والعمات والأخوال والخالات في المحافل الأسرية بشكل خاص والاجتماعية بشكل عام، وكذلك التجمعات الشبابية البسيطة آنذاك، لتذكر حاضرنا التعيس بلغة العتاب، تحكي لنا قيمة التواصل الاجتماعي والتراحم بين ذوي القربى والتآخي والتعاون العائلي فيما بيننا.

ونحن، وبالرغم من تتالي الآلاء والنعم الإلهية علينا التي لا تعد ولا تحصى، من الصحة والمال والحياة الكريمة المرفهة وغيرها، إلا أننا لا زلنا في حاجة ماسة وعوز شديد، وبشكل ملح، أكثر من أي وقت مضى، لبناء الجانب النفسي والروحي معًا للحيلولة من الوقوع في وحل الأمراض النفسية المعاصرة كالاضطراب السلوكي والاكتئاب.

من أسباب المشاكل الأسرية الراهنة

1ـ الفراغ النفسي:

وأقصد به فقدان وغياب لغة الحوار والتواصل بين الآباء والأبناء، متأثرة بالموانع التقنية المذكورة آنفًا، لتلعب الدور السلبي الكبير في تغيير هوية الأسرة، مما يجعل من روح التفاهم والتوافق الفكري والنفسي أمرًا صعبًا داخل الأسرة.

وعليه يجب علينا العمل على كسر تلك الحواجز، والحد أو ترشيد استعمال وسائل التقاطع (وليس التواصل) والأجهزة الذكية بما تحمله من مقاطع إضاعة الوقت والتفاهات والسخرية التي تصوغ عقلية المتابع صياغة الشخص المهرج الساخر، مما يقلل فرص اللقاء الأسري ليشكل ذلك مانعًا كبيرًا من انفتاح هذا الطرف على ذاك الطرف، وتكون العلاقة بينهم في أضعف حالاتها.

إن الانفراد والانزواء لبعض الآباء أو الأبناء في زوايا المنزل والاعتكاف على منصات تلك البرامج الخادشة للحياء تمثل حالات انعطاف وانزلاق قاتلة لبنية الأسرة وانحرافًا سلوكيًا لأفرادها يصعب تصحيح مساره إذا لم يعالج في حينه بالطرق التربوية الصحيحة.

وفي حقيقة الأمر، إن الابن أو البنت، لا سيما في فترات البلوغ والمراهقة الحساسة، يتعرضان إلى إلحاح الضغط الشهوي الشديد والإثارة الجنسية العارمة عندما تتوفر مثل تلك الأجواء من الخلوة الشيطانية، مما يهيئ لهم اختلاس الدخول في المواقع الإباحية وتصفح المناظر المحرمة ومشاهدة الصور المخلة بالشرف والمروءة ومتابعة المقاطع المؤججة لنار الشهوة، ليتحول ذلك إلى إدمان غريزي خطير.

إن تفضيل الجلسات الأحادية بعيدًا عن الأعين الناظرة على الجلسات الاجتماعية المكشوفة للعيان، مؤشر سلبي ينذر بانحدار سلوك بعض أفراد العائلة نحو الانغماس في الرذيلة والاستجابة للمؤثر الجنسي، الذي يسهم في تفاقم الوضع سوءًا، مما يعرض الأسرة برمتها للانهيار لا سمح الله.

2ـ الفراغ العاطفي:

العاطفة هي عبارة عن الجانب النفسي الدافئ الذي يشمل المشاعر والأحاسيس الشخصية النفسية الفطرية، وهي جزء لا يتجزأ من تركيب شخصية الإنسان، فهي مكملة لبقية الجوانب، ولا يمكن تجاهلها أو تجاهل دورها الفعال سلبًا أو إيجابًا.

ومن هنا يمكن أن نقول إن الفراغ العاطفي يعني تجاهل أو فقدان تلك المشاعر الفطرية لكونها مكونًا أساسيًا للشخصية الكاملة الذي يستحيل الاستغناء عنها، وإن الشخصية المضطربة وغير المستقرة نتاج طبيعي لذلك الجفاف، سواء كان ذلك من الزوجين أو الأبناء على حد سواء.

للأب كما للابن، وللبنت كما للأم، الشبق العاطفي الفطري المجبول في الخلقة الإنسانية الأولى، روحًا وجسمًا، كذات واحدة وهيكل واحد.

ولذلك فإن أغلب أسباب العلاقات المحرمة في المجتمعات بشكل عام ليست الحاجة المادية فقط، بل ترجع إلى استشراء الاستجداء العاطفي، حيث إن عدم تلبية تلك الحاجات والرغبات الفطرية بالطرق الصحيحة من كلا الطرفين توجب الوقوع المؤكد في المحظورات الشرعية والأخلاقية والسلوكية كنتيجة حتمية لذلك الجفاف والتيبس العاطفي المذكور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds