أقلام

مهدي… وابتسامتان

عبد الكريم النمر

وأنا أتصفح خرابيش خربشتها يومًا… استوقفتني حكايةُ ابتسامةٍ دوّنتها قبل سنوات قليلة…

ولم أكن أعلم أنها ستعود إليّ اليوم مع ابتسامة مهدي.

عندما رأيت صورة مهدي، ورأيت الناس ينعونه ويتحدثون عنه، تذكرت ابتسامته.

ولم أكن وحدي في ذلك فقد كان واضحًا أن كثيرًا ممن عرفوه احتفظوا بالصورة نفسها عنه.

مهدي يبتسم

ولكن الغريب أن ابتسامته لم تستدعٍ في ذاكرتي صورته وحدها.

فجأة، تذكرت ابتسامةً أخرى

ابتسامة رجل خرج ذات يوم من عيادة طبيب، وكأنّ شيئًا في وجهه قد تبدّل.

لم أفهم في البداية لماذا جمعت ذاكرتي بين الابتسامتين.

ولكن كلما تأملت الأمر، شعرت أن بينهما شيئًا واحدًا…

كلتاهما قالت شيئًا لم تحتج الكلمات إلى قوله.

وربما كانت كلتاهما تحملان شيئًا يشبه الدواء.

فهل يمكن لابتسامةٍ أن تكون دواءً؟

ربما

ولكن ليس بالضرورة أن تأتي من طبيب.

قد تأتي من شخصٍ لا تعرف اسمه، أو من عابر تلتقيه للحظة، أو من صديق اعتدت وجهه

أو من رجلٍ صامتٍ مثل مهدي

لم يكن يسمع كلامنا، ولكنه كان يفهمنا وكان يعرف كيف يقول لنا بابتسامته شيئًا يصل إلى قلوبنا.

رحل اليوم رجلٌ لم يسمع صوت الكلام، فعوّضه الله بلغة لا تحتاج أذنًا لتُفهم، ولا لسانًا لتُقال…

لغة اسمها…الابتسامة.

لم يكن صمته نقصًا، بل كانت في وجهه مساحةٌ صافية، سكنتها البسمة حتى غدت توقيعه الذي يُعرف به، وسمته التي لا تُنسى.

وحين نُعي، لم يُنعَ بما قاله، بل بما كان يفعله كلما التقى وجهًا:

كان يبتسم.

وكفى بهذا شاهدًا أن بعض الناس يتحدثون بوجوههم أكثر مما يتحدث غيرهم بألسنتهم.

ولعل الإسلام أدرك هذا المعنى قبل أن نكتشف نحن أثره في حياتنا، فجعل النبي ص الابتسامة صدقة، فقد روي عنه صلى الله عليه وآله:

«تبسمك في وجه أخيك صدقة»

حركةٌ صغيرة في الوجه، ولكنها قد تكون كبيرةً في أثرها؛ لا تكلف مالًا، ولا تحتاج وقتًا، وربما لا يدري صاحبها كم من الخير تركه وراءه.

وحتى بعيدًا عن النصوص الدينية، تبقى الابتسامة لغةً إنسانية لا تحتاج إلى ترجمان

لا تفرق بين من يسمع ومن لا يسمع، ولا بين لسانٍ ولسان.

إنها تقول للآخر، دون أن تنطق:

أنا أراك… وأنت مرحّب بك.

ولعلني لم أفهم هذا المعنى كما فهمته في ذلك اليوم في المستشفى.

كنت في غرفة انتظار المرضى، حين جلس بجانبي رجلٌ يحمل الحزن على وجهه كما يحمله كثيرون ممن أنهكهم المرض.

دخل على الطبيب بوجهٍ مثقل، ثم خرج بعد دقائق بوجهٍ مختلف.

كانت ابتسامته هذه المرة واضحة، حتى إنها بدت وكأنها خرجت من العيادة قبله.

سألته ونحن ننتظر الدواء في الصيدلية:

دخلت بوجهٍ متجهم، وخرجت بوجهٍ مبتسم… فهل شخّص الطبيب علتك وأعطاك الدواء المناسب؟

فضحك وقال:

لا… ولكن ربما الطبيب عالجني بابتسامته، فارتحت لها كثيرًا، وربما كانت هي دوائي.

قالها ببساطة، ومضى

ولكن كلماته بقيت.

ربما لأن بعض الأدوية لا تُكتب في وصفة، ولا تُصرف من صيدلية، ولا تُقاس بجرعة.

بعضها يأتيك على هيئة وجهٍ بشوش،

أو نظرةٍ حانية، أو ابتسامةٍ عابرة

ولا يهم كثيرًا ممن جاءت.

المهم أنها وصلت.

وربما لهذا تذكرت اليوم ابتسامة ذاك الطبيب وأنا أرى ابتسامة مهدي.

فكرت أن الرجلين، رغم اختلاف الحكايتين، كانا يمنحان من حولهما شيئًا واحدًا:

راحةً لا تحتاج إلى كلام.

الطبيب منحها لمريضٍ أتعبه المرض،

ومهدي كان يمنحها لكل من التقى به.

وربما لم يكن أحدهما يعرف مقدار ما يتركه في الآخرين.

نحن لا نعرف ماذا تفعل ابتسامتنا في قلبٍ يمر أمامنا.

قد نبتسم ونمضي

بينما يبقى أثر الابتسامة في إنسانٍ كان يحتاجها في تلك اللحظة بالذات.

كم حزينًا خفّ حزنه بسبب ابتسامة؟

وكم مريضًا وجد في الابتسامة شيئًا من الدواء؟

وكم قلبًا أثقلته الحياة، ثم جاءته ابتسامةٌ صغيرة تقول له… دون كلام:

ما يزال في الدنيا شيءٌ جميل.

رحل مهدي اليوم

ولم يبقَ من صوته شيء.

ولكن بقيت ابتسامته في وجوه الذين عرفوه، وفي كلمات الذين نعوه، وفي ذاكرتي أنا

حتى أعادت إليّ ابتسامةً أخرى ظننت أنني نسيتها… ابتسامة ذاك الطبيب.

ولعل هذا هو سر الابتسامة:

أنها قد تخرج من وجهٍ للحظات…

ثم تسكن قلبًا لسنوات.

غاب صوت مهدي

ولكن ابتسامته ما تزال تتحدث.

وجهٌ صامت

وبسمةٌ لا تصمت أبدًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds