بشائر المجتمع

محاضرة تفاعلية عن فن التوازن في الحياة بنادي المعرفة

رباب حسين النمر : الأحساء

جودة الحياة، وراحة البال، والسعادة أهداف ثلاثة ينشدها كل إنسان على طي هذه البسيطة، وتتضمن عاصفة من التساؤلات عن إمكان مدى تحققها في الحياة، وكيف من الممكن أن تتحقق. وهنا من الممكن أن نلتقط إجابة ناضجة وواعية ومبنية على علم ودراية ضمن أنشطة نادي المعرفة لجودة بمدينة المنصورة في الأحساء، عبر محاضرة تفاعلية قدمتها الدكتورة هدى السعد وأدارها الباحث الاجتماعي محمد البويدي، عنوانها (فن التوازن في الحياة لتحقيق راحة البال والسعادة وجودة الحياة)، تفاعل الجمهور خلال فقراتها، وكان المشاركون يحاولون أن يصلوا في تفاعلاتهم إلى إجابات مقنعة.

المقدمة

بدأت المحاضرة بمقدمة للدكتور عبدالله السلطان مؤسس نادي المعرفة جاء فيها: “فن التوازن في الحياة هو التنسيق بين أوقات العمل والراحة والصحة والعلاقات، ويعد التوازن في الحياة من أهم الأمور التي يجب أن يحرص عليها الفرد، وهو مطلب ديني يتمكن الفرد من خلاله أن ينجز الأمور التي يريدها في الحياة”. وقدم الدكتور السلطان ضيفه المحاور محمد البويدي الذي جاء في كلمته: “في ظل تسارع الحياة وتعدد مسؤوليتها أصبح تحقيق التوازن مطلبًا رئيسًا لنعيش حياة أكثر هدوءًا واستقرارًا. والتوازن لا يعني أن نعطي كل جانب الاهتمام نفسه، بل أن نمنح كل جانب ما يستحقه وفق أولوياتنا واحتياجاتنا.

وسنتعرف خلال هذه المحاضرة على مفهوم التوازن وأهميته في تأسيس السعادة وراحة البال، ونستعرض بعض الأفكار والإستراتيجيات والممارسات الحياتية التي تساعدنا على إدارة الوقت والحقوق وترتيب الأولويات، مما يسهم في تحقيق تحسين جودة الحياة، من أجل الخروج بخطوات بسيطة تساعدنا في بناء حياة أكثر توازنًا وسعادة” ثم قدم بدوره المحاضرة، فقال: “هدى حسين السعد أخصائية نفسية أولى في مؤسسة رعاية الفتيات” مع نبذة تعريفية عن المؤسسة التي تعمل بها، موضحًا أنها دائرة حكومية ذات إيواء حكومي يتبع وزارة التنمية الاجتماعية للموارد البشرية، وتعنى برعاية الفتيات من عمر سبع سنوات حتى ثمانية عشر عامًا ممن تعرضن لظروف أدت إلى وجود ظواهر سلوكية أو أخلاقية وصدر بحقهن أحكام قضائية موجبة للتلطيف.

وأردف: “وتعمل المؤسسة وفق منهجية متكاملة تهدف إلى تقويم السلوك وإحداث الاستقرار النفسي والاجتماعي وتنمية القدرات والمهارات وترسيخ القيم الإيجابية لإعادة تأهيل الفتيات وتمكينهن من العودة والانتماء للمجتمع. كما تقدم المؤسسة منظومة متكاملة من الخدمات والرعاية المختصة تشمل عدة جوانب: الخدمات الاجتماعية حيث تقوم الباحثة الاجتماعية بمتابعة الحالة وتعزيز الروابط الأسرية والاجتماعية، وتقديم الدعم للتكيف والاندماج المجتمعي.

وتقدم الخدمات النفسية وتقديم الدعم والإرشاد النفسي والتعامل مع التحديات السلوكية والانفعالية. وتقديم الخدمات الصحية حيث توفر المؤسسة الرعاية الصحية والطبية اللازمة. وبما أن الشريحة التي تعنى بها المؤسسة سن طالبات المدارس ولذلك تهتم المؤسسة بالجوانب التعليمية، حيث قدمت الدعم للتحصيل الدراسي وتنمية القدرات والمهارات التعليمية. ولا تكتمل هذه الخدمات إلا بمساندة الخدمات الدينية حيث تأسيس مخيم للخدمات الدينية والأخلاقية للتوجيه والإرشاد وأداء الصلوات الخمس في أوقاتها”.

محاور المحاضرة التفاعلية اتكأت محاضرة السعد على ثلاثة محاور،

تناولت في المحور الأول مفهوم التوازن من خلال الآيات القرآنية (والسماء رفعها ووضع …. تخسروا الميزان)، (وابتغِ فيما اتاك الله …. المفسدين)،

وتناولت في المحور الثاني أهمية التوازن من خلال دراسة موقف وتحليله، وعرضت في المحور الثالث العناصر الاثني عشر لتحقيق التوازن من خلال تمرين عجلة التوازن.

مفهوم التوازن سألت السعد في الجلسة التفاعلية عن عنوان المحاضرة، والتقطت من الحاضرين بعض الإجابات التفاعلية، وأوضحت أن لكل كلمة في العنوان ثقلها، وأنها اُختيرت بعناية، وبدأت بتحليل المفردات مبينة مهام الإدارة وهي (التخطيط والتنظيم والتوجيه واتخاذ القرار وتوزيع المهام)، مشيرة إلى أن كل شخص في الحياة يدير أمرًا من جانبه. فالمرأة تدير المسكن والمدير يقود المؤسسة التعليمية، وكل شيء في المهام الحياتية له جانب إداري. ثم تطرقت السعد إلى مفردة الفن وتضمنها للإبداع والقدرة على إدارة الحياة بشكل متميز وإبداعي مما يؤثر على جودة الحياة للشخص المتمكن من الإدارة، موضحة أن إدارة الحياة فن ومن يتقنه يستطيع أن يعيش بتوازن. وأشارت إلى أن الإنسان قد يتميز في إنجاز ما ولكنه لا يستطيع مرة أخرى أن ينجزه بالإتقان نفسه لأنه عمله دون قصد، ولكنه حين يعمله عن قصد فهو قادر على تكرار التميز وهذا هو فن إدارة الحياة. ثم تساءلت ما إذا كان هذا الموضوع واردًا في العلم الحديث فقط مستشهدة بالآية (والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان) وقوله تعالى (وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغِ الفساد في الأرض. إن الله لا يحب المفسدين). ووقفت وقفة تأمل مع هذه الآية ولا سيما كلمة (أحسِن) التي تلامس التوازن، مبينة أن الإحسان هو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وعندما يتوافر الإحسان في الإدارة فإنها تخضع للضمير الحي وتأثيره في حفظ الكليات الخمس: النفس والعرض والمال والوطن والدين. فمن الأولى حفظ النفس الذي يحتاج إلى إيجاد التوازن في كل ناحية من نواحي الحياة ومعاملة النفس بإحسان، والتوازن ما هو إلا الانسجام بين نواحي الحياة المختلفة. ومن يحرز التوازن والإحسان والضمير يصل لمرحلة الطمأنينة والقدرة على الفاعلية مع ذاته ومع الآخرين.

وبينت أن التطرف هو نقيض التوازن، ولا يحقق جانب على حساب جانب آخر، ولو نجحت في جانب على حساب جانب آخر فإن التوازن لم يتحقق مع النفس. واستشهدت السعد بدراسة أمريكية في جامعة شيكاغو أظهرت أن ٣١% من الأشخاص يجدون صعوبة في إدارة مسؤوليات أنفسهم بينما ٥٣% وجدوا أن العمل يسبب لهم حالة من التعب والإرهاق تصل إلى حد الاحتراق النفسي أو الاحتراق الوظيفي. والاحتراق يعني اختفاء المعالم دون عودة. فالاحتراق شامل للإنسان في منظومة حياته والسبب والمنشأ هو العمل، حيث يطغى الجانب العملي على الجانب الشخصي والجانب المهني لأنه أحد متطلبات الحياة؛ ونحن نسعى لتحقيق النجاح في بيئات العمل فيطغى جانب العمل على الجوانب الأخرى فيؤدي بالإنسان إلى نوع من أنواع الاحتراق. والدماغ يتأثر بالاحتراق الوظيفي وكذلك جميع الجوانب الجسدية والنفسية والروحية في الإنسان.

قصة المهندس أحمد

وفي المحور الثاني عرضت السعد دراسة موقف لشخص حقيقي وصل إلى مرحلة الإجهاد النفسي وتعطلت جميع جوانب حياته لأنه لم يحسن إلى نفسه، مبينة أن الذي أوصل المهندس أحمد إلى مرحلة الاحتراق الوظيفي والنفسي بسبب عدم قدرته على إدارة حياته بشكل جيد. وعلقت: “قصة أحمد فيها نجاح وإبداع كان في مرحلة من حياته ثم انطفأ حتى استطاع أن يعيد توازن حياته فعاد بنشاط أفضل”. وبدأت السعد تسرد قصة المهندس أحمد الذي عاد من الاحتراق إلى الإشراق، فقالت:”بعد تخرج المهندس أحمد من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى، واختص في شبكات الحاسب الآلي. بدأ أحمد مسيرته المهنية بشكل جيد، وبفضل مهاراته الفائقة نال ثقة الإدارة وكلف بالعديد من المهام التي أنجزها. كان أحمد يعمل ساعات طويلة وكان منعزلًا عن زملائه الذين كانوا ناقمين عليه. هذا الضغط المستمر أثر على حياته الشخصية، فعندما يعود إلى المنزل يكون متعبًا للغاية ولا يستطيع التواصل مع عائلته، وغالبًا ما ينام فور وصوله دون تناول العشاء، فتولت زوجته إدارة شؤون المنزل والأولاد. وفي يوم ما نسي أحمد موعدًا مهمًّا مع والده بسبب انهماكه في عمله مما أغضب والده، فأدرك أحمد أنه بحاجة إلى إعادة التوازن في حياته، وقرر الخروج في نهاية ساعات العمل الرسمية لتخصيص وقت للعائلة، مما أغضب مديره لأنه أصبح يؤجل بعض المهام الإدارية لليوم التالي، وبسبب أحد الزملاء الناقمين على أحمد تدهورت علاقته بالمدير. فالمدير يرى أن خروج أحمد في نهاية ساعات العمل الرسمية تراجع في أدائه الوظيفي، بينما يرى أحمد أن ذلك حق له فأصبحت ردود فعل أحمد انفعالية على غير عادته، فلم يتقبل المدير تصرفات أحمد ووجه إليه لفت نظر وأعطاه مؤشر أداء منخفض، وكأنه لم يقم بأي عمل قبل ذلك، ومنعه من حضور البرنامج التدريبي الذي كان ينتظره بشغف حيث يؤثر على ترقية أحمد التي يترقبها، وهذا سبب له شعورًا بالإحباط. بدأ أحمد يعاني من صداع مزمن وشعور مستمر بضيق التنفس، مما دفعه للحصول على إجازة. وخلال هذه الاجازة لم يكن سعيدًا، بل ظل ملازمًا للمنزل للشعور بقلة التقدير وعدم الإنصاف وهذا سبب تعاسته لأنه أراد السفر للاسترخاء من الضغط النفسي، فلم يتمكن من ذلك على الرغم من راتبه العالي لأن نفقاته متزايدة لتوفير احتياجات أبنائه، وتوفير الطلبات المبالغ بها لتعويض أبنائه عن غيابه المستمر، وكان ذلك يستهلك غالبية دخله. ولما عاد إلى العمل كان شاحبًا مع هالات سوداء حول عينيه ويعاني من صعوبة في التركيز مع آلام في العظام والمفاصل. لاحظ أحد زملائه المقربين الذين حضروا دورة الاحتراق الوظيفي علامات الاحتراق على أحمد فنصحه بمراجعة مختص نفسي، فأوضح المختص لأحمد أن ما يعانيه هو احتراق وظيفي، وساعده على وضع برنامج يعينه على التعافي واستعادة توازن حياته في جوانبها المختلفة. بدأ أحمد يذهب في الصباح إلى المسجد، وجدد صداقات طفولته مما وطد علاقاته بسكان الحي، وأصبح أكثر قربًا لأسرته وعائلته، حيث خصص وقتًا للزيارة العائلية، وخصص وقتًا أسبوعيًّا لزوجته وأبنائه، وبدأ يمارس هوايته المفضلة، وانتظم في مواعيد جلسات الطبيب، وأصبح يمارس المشي يوميًّا. وأصبح المختص صديقًا مقربًا منه بفضل تغيير نمط حياته، وبدعم منه شفي أحمد من الاحتراق الوظيفي، ولكنه أصبح غير قادر على الاستمرار في العمل، وبفضل سمعته الجيدة حصل أحمد على فرصة عمل جديدة في عالم وظيفي أفضل. وعندما بدأ العمل الجديد قرر أن لا يعيد الأخطاء السابقة، وأن يستمر على نمط حياته الحالية، وقرر أحمد أن يعيد التوازن لحياته، ويضع خطة ادخار ليتمكن من شراء أرض يبني عليها منزل أحلامه خلال عامين.” *تحليل قصة أحمد* حللت السعد الأخطاء التي ارتكبها أحمد فأوصلته إلى الاحتراق الوظيفي مبينة أن الاحتراق يبدأ في الإنسان بشكل تدريجي ويكمل مسيرته بضعف، ولكنه مع المقاومة يبذل فوق الطاقة ثم يبدأ في التلاشي، والمشكلة التي بدأت مع أحمد في حياته أنه التحق بالوظيفة؛ ثم خسر حقوقه فهو يعمل خارج ساعات العمل وينجز المهام حتى يحصل رضا الإدارة والترقية وطموحه الذي يحلم به. ومن المعلوم أن خريجي هذه الجامعة من النخبة، ولما تخرج مع مرتبة الشرف اجتهد في سنوات الدراسة حتى ينجح، وفي العمل أراد تحقيق أهدافه. ولما بدأ يشعر بالضغط كان يكمل ما بدأ به. القائد هناهو العمل وهو الذي يدير أحمد وأحمد منقاد لهذا العمل. وبدأ أحمد يعي أن هذا يسبب له تأثيرًا سلبيًّا في حياته عندها شعر بالإحباط وبأن أهدافه لن تتحقق بهذا النمط في الحياة، وبدأ يدفع الفواتير لما عاتبه والده، وكان أحمد يهضم حقوق نفسه فلا يأكل عند العودة إلى المنزل، وكانت الزوجة هي التي تقوم بإدارة المنزل ولكي يمنح بيته التعويض وهبهم بطاقته المصرفية دون حدود، حتى أنه لم يجد مالًا كافيًا لرحلة يستجم فيها من الضغط النفسي. إن الكثير من الناس يرون أن النجاح هو نجاحهم في العمل، والحقيقة أنه لم يكن يدير نفسه بالشكل الصحيح، لأنه فقد الروابط الأسرية والممارسات التي كان يستمتع بها، كذلك الجلوس إلى الجهاز اللوحي يحتاج للياقة بدنية ولممارسة الرياضة أو العلاج الطبيعي، وهكذا لم يعد هناك أي جانب متزن في حياته حتى العمل فلم يكن يعمل في الساعات الرسمية فقط ويؤدي عملًا هو ليس عمله، وانتقلت السعد لتقييم الموقف والجوانب التي لم يشعر فيها أحمد بالرضا عندما وبخه المدير ووصفه بالإخفاق حين قرر الخروج بعد ساعات الدوام الرسمي، وكأن الجهود التي بذلها سابقًا غير مقدرة. وهو الذي أعطى للعمل سلطة سحب حقوقه، وكان العمل يسرق كل حقوقه وكل جوانب حقوقه. وهنا طرحت السعد سؤالًا ما الذي يحتاج أحمد إلى تغييره؟ آراء الجمهور. يأخذ نظرة شمولية على منظومة حياته، لأن نظرته عندما تكون من جانب العمل فقط فهو يفصل الجوانب الأخرى. التقييم يساعد أحمد على ترتيب الأولويات التي يحتاج إلى ترتيبها. يبدأ بتقييم ذاته واحتياجاته ورغباته وقدراته، ويعيد التخطيط والتنظيم والتوجيه وجميع العمليات لإدارة حياته، ثم يلاحظ أدواته الحاضرة والحدود التي يمكن أن يضعها. ويبدأ التغيير حتى يستطيع أن يقيم كيف يبدأ ومن أين يبدأ؟ وكيف يستطيع أحمد أن يحقق نجاحًا دون أن يخسر نجاحًا آخر؟ من الأفضل أن يبدأ بالأسهل حتى يشعر بالإنجاز ثم الأصعب فالأصعب، وهذا النوع هو التغيير التدريجي، والنوع الثاني أن يقيم التأثير، ويبدأ بتغيير الجانب المظلم والابتعاد عن الخطأ وهذا هو الأولى، حيث يتغير ويحافظ على التوازن الذي حصل. كل عملية تغيير تمر بخمسة مراحل. أول مرحلة ما قبل التغيير وهي المرحلة التي لم يفكر فيها الشخص بالتغيير، ثم مرحلة تفكير الشخص في التغيير، (متى انبثقت فكرة تغيير أحمد؟ مع عتاب الأب)، ومرحلة الاستعداد للتغيير. خروجه مع ساعات الدوام الرسمي، والإجازة. ثم مرحلة التنفيذ وتحتاج هذه المرحلة لجهد. وعندما انتقل أحمد من بيئة العمل إلى بيئة جديدة، والمرحلة الخامسة هي الاستمرار على التغيير دون انتكاسة. وبينت بأن التغيير عملية معقدة وليست سهلة.

وفي المحور الثالث بينت السعد العناصر الاثني عشر لتحقيق التوازن من خلال عجلة التوازن. وفي ختام المحاضرة قدم الدكتور عبد الله السلطان درعي تكريم للمحاضرة ولمدير الحوار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى