أقلام

رحلة التحرر من الأنا إلى الله تعالى (٨)  مرآة الحق الخفية

السيد فاضل آل درويش

من ملامح الشخصية الواعية التي تمتلك نضجًا عقليًّا وقدرة على استيعاب المواقف والأحداث والأدوار الوظيفية المناسبة، هو الوقوف أمام مرآة النفس؛ وذلك ليستطيع أن يفهم نفسه في أفكاره وتطلعاته ودوافعه، ويحلل ما يقوم به من تصرفات ومسارها، وهذا ما يصل به نحو الصدق والمصداقية والوضوح والحقيقة التي يمكن أن يبحث عنها بصورة عقلية ودوافع منطقية.

إذ إن البعض قد يتحرك خلف فكرة أو موقف، ويبرز دوافعه ومقاصده التي تخالف الحقيقة تماما، إذ يكون الدافع عنده هو ميل خفي في دواخله نحو البحث عن مسوغات ومؤيدات لقناعات سابقة لا يريد أن يحيد عنها أو يخالفها.

وهنا تبدأ الأنا في صناعة غلاف قوي وحجاب دقيق يمنع الإنسان من رؤية الحقيقة والحقائق والصور المنطقية، بل يتجه نحو البحث عن الأدلة التي تتوافق مع أفكاره وقناعاته، ويطوعها للسير في الاتجاه الذي يريده، بينما يتجاهل ويتغافل عن النظرة الشاملة والتدقيق في العوامل والأدلة التي يمكن أن تأخذه نحو ضفة واتجاه آخر.

وهكذا نرى أن الأنا تكون حاضرة بقوة في صناعة الموقف والقدرة على التراجع عن المواقف الخاطئة، بينما الصدق مع النفس والوقوف أمام تلك المرآة يجعله ينظر للأمور بعين واحدة من النقد الإيجابي.

فعندما يرى تقصيرًا أو عيبًا صادرًا من غيره، يحكم عليه بعدم المقبولية والتوصية بتجنبه، سواء كان صادرًا منه أو من الآخرين، بينما الأنا تدفعه نحو الرؤية بواقعين مختلفين في ميزان الأحكام بين ما يرتكبه بنفسه وما يرتكبه غيره.

والتخلص من الأنا يتجلى منه الصدق مع النفس والقدرة على التراجع عن الخطأ، وأما الكيل بمكيالين فيعني أن الإنسان قد يتسامح مع أخطائه أكثر مما يتسامح مع أخطاء الآخرين.

إن القيمة العالية للعقل المفكر تنشأ من رحلته نحو المجاهيل والبحث عن الحقائق بمهنية وموضوعية (حيادية)، وجعل بوصلة التحرك والأحكام هي الحقيقة، بعيدًا عن قربها أو بعدها عنا.

فالغاية من التفكير ليست الانتصار للآراء والقناعات المسبقة والبحث عن مؤيدات لها، وإنما هو الوصول إلى ما يرضي الله تعالى من خلال أفكار وسلوكيات يؤيدها العقل الواعي، والنفس الصادقة مع صاحبها في تبيان الأخطاء.

بينما التعلق بالذات (بنحو سلبي) له تفرعاته واتجاهاته، ومنها ما يتعلق بالتزمت والتمسك بالآراء والمواقف، دون إجراء محاسبة أو مراجعة تضعه على قاعدة من البرهان تؤيده، وهذا ما يجعله مكتسبًا لصفة التصلب في الفكر والسلوك، والنظر للأمور بما يتوافق مع هواه وقناعاته.

وينتقل إلى مرحلة متقدمة من الصنمية للنفس، فيرى في التراجع عن أي خطأ يرتكبه هزيمة لا يمكنه القبول بها مهما كان، بينما الصورة الموضوعة على ميزان العقل تختلف عما يسكن في نفسه الممتلئة بالأهواء والغرائز المتحكمة به.

والعاقل من ينتصر على نفسه الأمارة بالسوء، ويتحكم في أهوائه، وينحي العقل الواعي، ويتجه في خرائطه الذهنية بين خطي الصوابية والتخطئة، واحتمال أحدهما أمر وارد، ويمتلك شجاعة في التراجع عن فكرة أو موقف اكتشف حياده عن الصواب.

بينما الاتجاه الفكري المدمر هو إثبات كونه محقا بأية صورة كانت، وعدم التراجع عن كلمة أو خطوة تبين له الخطأ فيها؛ بسبب توهم الحفاظ على شخصيته!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds