أقلام

مصطلح «البحر».. المأزق اللغوي في تحديد موقع هجر

فاضل السماعيل

من أبرز الإشكالات التي تظهر في الجدل حول تحديد موقع هجر التاريخية، الاستناد إلى بعض النصوص التي تذكر قرب هجر من «البحر»، ثم إسقاط المعنى الجغرافي الحديث لكلمة «البحر» على النص القديم، وكأن المقصود بها بالضرورة الساحل البحري بصورته المعاصرة.

وهنا تكمن المشكلة المنهجية؛ إذ إن النص التاريخي لا يُقرأ بمصطلحات عصرنا، وإنما بمصطلحات عصره وسياقه اللغوي والجغرافي.

وتزداد أهمية هذه المسألة عندما نضعها إلى جانب النصوص التي تربط هجر بمواضع أخرى في إقليم الأحساء، ولا سيما الأخبار المتعلقة بالقرامطة، الذين اتخذوا من الأحساء عاصمة لهم، مع ما تذكره المصادر من قرب هذه العاصمة من هجر. فإذا كان المقصود بـ«البحر» في كل نص هو الساحل البحري بمعناه الجغرافي الحديث، فإننا نواجه إشكالًا في التوفيق بين هذه الأخبار والواقع الجغرافي والتاريخي الذي تصفه المصادر.

هل «البحر» في العربية القديمة يعني بالضرورة البحر المالح؟

الإجابة تحتاج إلى النظر في الاستعمال العربي نفسه، لا إلى التصور الجغرافي الحديث وحده.

قال تعالى:

﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ۝ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾

[الرحمن: 19–20]

وقال تعالى:

﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾

[فاطر: 12]

والآية الثانية ذات دلالة لغوية مهمة؛ إذ أطلقت لفظ «البحر» على ماء وُصف بأنه «عذب فرات»، في مقابل ماء آخر وصف بأنه «ملح أجاج».

ولا يلزم من ذلك أن يكون كل نهر أو عين في اللغة العربية «بحرًا»، وإنما المقصود أن دلالة اللفظ ليست محصورة بصورة آلية في المفهوم الحديث للبحر المالح، وأن تحديد المراد منه ينبغي أن يكون بالنظر إلى السياق والقرائن.

وهذه قاعدة مهمة عند قراءة النصوص الجغرافية والتاريخية القديمة: المصطلح ينبغي أن يُفهم في البيئة اللغوية والجغرافية التي استُعمل فيها، لا أن يُحمّل بالضرورة الاصطلاح الذي استقر بعد قرون.

استشهاد الأزهري: عين محلم وشبكة المياه في هجر

ويأتي هنا نص مهم لأبي منصور الأزهري، صاحب تهذيب اللغة، وهو من علماء اللغة الذين عاصروا تلك المنطقة وعرفوا جغرافيتها، إذ تحدث عن عين مُحَلَّم فقال:

«مُحَلَّم عين فوارة بالبحرين، وما رأيت عينًا أكثر ماء منها، وماؤها حار في منبعه، وإذا برد فهو ماء عذب، ولهذه العين إذا جرت في نهرها خُلُجٌ كثيرة تتخلج منها، تُسقى نخيل جُواثا وعسلج، وقريات من قرى هَجَرْ».

وهذا النص جدير بالتأمل؛ فالأزهري يصف عينًا فوارة غزيرة الماء، ثم يذكر أن ماءها عذب، وأنها إذا جرت في نهرها تفرعت منه خُلُج كثيرة، تسقي نخيل جواثا وعسلج وقريات من قرى هجر، ثم يضع هذه العين ضمن نطاق «البحرين».

والأهمية هنا ليست في إثبات أن كل ماء عذب يسمى بحرًا، وإنما في أن النص يكشف عن طبيعة جغرافية ومائية واسعة لإقليم البحرين القديم، وأن المصطلحات الجغرافية التي استخدمها القدماء لا ينبغي أن تُقرأ دائمًا بالمدلول الجغرافي الحديث نفسه.

كما أن النص يلفت النظر إلى وجود شبكة مائية تربط بين العين والنهر والخُلُج والقرى الزراعية، بحيث لا يمكن اختزال الجغرافيا التي يصفها الأزهري في مجرد خط ساحلي.

ومن المهم أيضًا ألا نتعجل في تحديد عسلج المذكورة في النص بعسلج المعروفة اليوم، فالتطابق في الاسم وحده لا يكفي لإثبات وحدة الموضع. وإنما قيمة النص هنا في أنه يربط عسلج وجواثا وقرى من هجر بشبكة مياه واحدة، وهي قرينة جغرافية ينبغي أن تدخل في دراسة تحديد المواضع القديمة.

بل إن السؤال الأهم الذي يطرحه النص هو: أين كانت عين محلم؟ وما اتجاه نهرها؟ وما المواضع التي كانت تسقيها؟

فإذا أمكن تحديد هذه العناصر تاريخيًا وجغرافيًا، فإنها تصبح قرائن أقوى بكثير من مجرد الاستدلال بلفظ «البحر» منفردًا.

الأحساء ووفرة المياه

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة عند الحديث عن الأحساء التاريخية؛ فقد كانت منطقة مائية استثنائية في شرق الجزيرة العربية، اشتهرت بكثرة عيونها ومياهها الجارية ومزارعها وتجمعاتها المائية.

ومن ثم فإن وصف تجمع مائي كبير أو مسطح مائي بلفظ «البحر» لا يمكن رفضه ابتداءً لمجرد أنه لا يطابق مفهومنا الحديث للبحر.

وهنا ينبغي الحذر من تحويل كلمة واحدة إلى قرينة جغرافية قاطعة؛ فقول مصدر تاريخي إن مدينة ما «قريبة من البحر» لا يكفي وحده لإثبات أنها مدينة ساحلية بالمعنى الذي نفهمه اليوم، ما لم تؤيده بقية أوصاف المصدر: المسافات، والطرق، والأنهار، والعيون، والمواضع المجاورة، واتجاهات السفر، ومواقع المدن الأخرى.

الإشكال في الاستدلال بكلمة «البحر»

لذلك فإن جعل عبارة «هجر تبعد عن البحر كذا» دليلًا حاسمًا على أن هجر هي بالضرورة مدينة ساحلية أو قريبة من ساحل الخليج العربي، يحتاج إلى إثبات أن لفظ «البحر» في ذلك النص بعينه قد استُعمل بالمعنى الذي نريده نحن اليوم.

وهذا لا يُفترض، بل يُثبت من خلال دراسة لغة المؤلف نفسه واستعماله للمصطلح في المواضع الأخرى، ومقارنة عبارته بالمصادر المعاصرة له.

كما أن تحديد هجر لا ينبغي أن يقوم على هذه العبارة منفردة، بل يجب أن تُجمع معها بقية القرائن التاريخية والجغرافية، ومنها علاقتها بالأحساء، وبالمواضع التي تذكرها المصادر إلى جوارها، وبالعاصمة القرمطية، وبشبكة الطرق والمسافات التي تصفها كتب الجغرافيا القديمة.

الخلاصة

إن الإشكال الحقيقي ليس في كلمة «البحر» نفسها، وإنما في المنهج الذي نتعامل به معها.

فمن الخطأ أن نأخذ مصطلحًا ورد في نص جغرافي أو تاريخي قبل أكثر من ألف عام، ثم نمنحه تلقائيًا المعنى الاصطلاحي الحديث، ونبني عليه تحديدًا جغرافيًا نهائيًا.

والمنهج العلمي يقتضي أن نقول:

لا بد من إسقاط المصطلح في زمنه وبيئته اللغوية والجغرافية، لا إسقاط معنى زمننا عليه.

وبناءً عليه، فإن لفظ «البحر» لا يصلح وحده قرينةً حاسمة لإثبات أن هجر هي الموضع الفلاني أو أنها كانت ملاصقة للساحل؛ بل لا بد من قراءة جميع النصوص والقرائن في منظومة واحدة.

وهذا هو المدخل الصحيح في قضية تحديد هجر التاريخية:

ليس البحث عن كلمة منفردة يمكن توظيفها لإثبات نتيجة مسبقة، وإنما جمع القرائن، وفهم المصطلحات في سياقها التاريخي، ثم اختبار أي موقع ينسجم معها مجتمعةً بأقل قدر من التعارض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds