أقلام

الأسطورة بين الحقيقة والمبالغة

عيسى العيد

عندما تبرز شخصية ما في مجتمع ويكون لها أثر إيجابي، ثم ترحل تلك الشخصية مع مرور الزمن، تتضخم لدى الناس المعلومات عنها، ويُبالغ في وصفها وإعطائها حكايات وصفات خارقة للعادة، فيُطلق عليها «أسطورة». ويرتبط لفظ «أسطورة» في الاستعمال العربي بجذر «سطر»، بما يحمله من معنى الكتابة والتدوين، وقد ورد لفظ «أساطير» في القرآن الكريم، في قوله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾، أي: ما يكتبون، وقوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، أي: حكايات الأولين وأخبارهم التي سطروها وتناقلوها عبر الزمن. والأسطورة قد تنطلق من حدث أو شخصية أو واقعة لها أصل واقعي، ثم تتناقلها الأجيال، فيدخل عليها التغيير والمبالغة والرمزية، وقد تُضاف إليها عناصر خارقة للطبيعة. لذلك لا يشترط أن تكون الأسطورة «كذبًا محضًا». كما أن من البلاغة ثلاثة أقسام: التبليغ، والإغراق، والغلو. فالتبليغ هو أن تبلغ الصفة حدَّ البلاغة، ولكن العقل في الواقع يقبلها. مثال: «محمد كثير العطاء حتى إنه أغنى الفقراء». أما الإغراق فهو تجاوز المبالغة والحد المعتاد، ولكنها تبقى ممكنة في العقل، وإن كانت غير معتادة وشديدة البعد. مثال: «هشام أسد في الشجاعة، ويواجه مائة رجل وحده». فهذا ممكن؛ أن يواجه مائة رجل، ولكنه غير معتاد جدًا، وهذا هو الإغراق. أما الغلو فهو تجاوز الإمكان العقلي، بحيث لا يمكن تحققه أصلًا. مثال: «أحمد يرى ما وراء السماوات بعينه». ومن خلال هذا التسلسل يمكن أن نفهم إحدى الآليات التي تسهم في نشوء الأسطورة وتضخمها في النفوس؛ فقد تكون هناك شخصية أو واقعة حقيقية في أصلها، ثم تتناقلها الأجيال، فتُضاف إليها المبالغات والحكايات والرموز، حتى تتضخم صورتها في الوعي الجمعي، وتصبح الرواية المتداولة أكبر من حقيقتها الأصلية. أما الخرافة فهي قصة أو اعتقاد لا يستند إلى أساس واقعي موثوق، وغالبًا ما يرتبط بتصورات شعبية عن قوى أو أحداث غير عقلائية، وقد تُروى للتسلية، أو لتفسير ظاهرة، أو لترسيخ اعتقاد. ومن هنا يمكن التفريق بين الأسطورة والخرافة؛ فليس كل ما هو أسطوري خرافة، وليس كل أسطورة كذبًا محضًا، فقد يكون لها أصل واقعي ثم تدخل عليها المبالغة والرمزية والعناصر الخارقة مع مرور الزمن. أما الخرافة، فلا يشترط أن يكون لها أصل واقعي موثوق، وقد يصل الغلو فيها إلى حد أن يؤمن البعض بها، ويبني عليها سلوكًا أو ممارسة، ويتمنى منها أن تساعده في تلبية أمنياته الخاصة. وبعض المجتمعات تصبح تلك الأساطير جزءًا من ثقافتها وهويتها، حتى وإن كان بعض أفراد المجتمع يدركون أن هذه الأساطير ليست كلها حقائق. ومع ذلك، يحافظون عليها باعتبارها جزءًا من موروثهم الثقافي وهويتهم. فالنظر إلى كل قضية، أو شخصية، أو مكان بعينه، لا بد فيه من النظر والدراسة والتقصي، حتى لا يقع الإنسان في محظورات التعامل مع تلك الأساطير والخرافات، وحتى لا تختلط الحقيقة بالمبالغة، أو الموروث الثقافي بالاعتقاد الذي لا يستند إلى دليل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds