أقلام

حين يتحول المعنى إلى طريق

أحمد الطويل

مقدمة:

قد يقرأ الإنسان القرآن فيتوقف عند آية، أو يتأمل قصة، أو يمر على موقف من مواقف الأنبياء، ثم يشعر أن شيئًا ما قد تحرك في داخله. ربما تغيرت نظرته إلى أمر كان يراه بطريقة مختلفة، أو أدرك معنى لم يكن يراه من قبل، أو اكتشف أن بعض ما كان يضعه في المقدمة لم يكن يستحق المكان الذي منحه له.

ولكن ماذا يحدث بعد ذلك؟

فالمعنى، مهما كان عميقًا، لا يمكن أن يبقى داخل الإنسان إلى الأبد. لا بد أن يظهر في حياته؛ في اختيار يتخذه، أو موقف يقفه، أو طريق يسلكه، أو أمر يتركه لأنه لم يعد يراه كما كان يراه من قبل.

فالإنسان لا يعيش أفكاره في فراغ. ما يؤمن به يظهر في اختياراته، وما يختاره يرسم شيئًا من طريقه، وما يكرره في ذلك الطريق يصنع مع الوقت عادة، ثم سلوكًا، ثم شيئًا من شخصيته.

ولهذا ربما لا يكون السؤال الأهم بعد أن يفهم الإنسان هو: ماذا فهم؟ وإنما: ماذا سيفعل بما فهم؟

فالقرآن لا يضع أمام الإنسان المعاني ليعرفها فقط، وإنما يضعه أمام مواقف عاشها أناس اختاروا، وثبتوا، وصبروا، وتوكلوا، ومضوا في طرق لم تكن دائمًا واضحة ولا سهلة.

ومن هنا تبدأ رحلة المعنى؛ حين لا يبقى ما فهمه الإنسان فكرة تسكن ذهنه، وإنما يتحول إلى اختيار، ثم إلى طريق.

حين يصبح الاختيار امتدادًا للإيمان

الإيمان ليس مجرد مجموعة من الحقائق التي تستقر في الذهن، وإنما هو شيء يعيد تشكيل الاختيار. فالإنسان قد يعرف الصواب، وقد يستطيع أن يتحدث عنه، لكنه حين يقف أمام لحظة حقيقية تتعدد فيها الطرق، يظهر ما الذي أصبح هذا الإيمان يعنيه في حياته.

ولعل قصة آدم عليه السلام تضع أمامنا واحدة من أقدم صور الاختيار الإنساني. فالقرآن لا يعرض القصة لمجرد أن يخبرنا كيف بدأت حياة الإنسان، وإنما يضع أمامنا معنى سيبقى حاضرًا في حياة البشر: أن الإنسان قد يعرف، ثم يختار، وقد يخطئ، ثم يكون أمامه طريق آخر يبدأ بالرجوع.

قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾، (طه: 115).

ثم يقول سبحانه:﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، (البقرة: 37)

وهنا لا تتوقف القصة عند الخطأ، وإنما تفتح أمام الإنسان معنى آخر: ماذا يفعل بعد أن يكتشف خطأ اختياره؟

فطريق الإنسان لا يتشكل فقط من لحظات الصواب، وإنما كذلك من الطريقة التي يتعامل بها مع عثراته. قد يخطئ، لكنه يعود. وقد يتعثر، ولكنه لا يجعل من عثرته نهاية الطريق.

وهذا يجعل الإيمان شيئًا يتجاوز المعرفة إلى الحركة؛ لأن الإنسان لا يثبت ما يؤمن به بمجرد أن يعرفه، وإنما حين يصبح مستعدًا لأن يجعل اختياراته امتدادًا لما استقر في قلبه.

ومن هنا تبدأ المسافة بين أن تعرف الشيء وأن تعيش على أساسه.

حين يضع القرآن الإنسان أمام الطريق

ولعل هذا أحد أسرار حضور الأنبياء وقصصهم في القرآن؛ فالقرآن لا يخبرنا عنهم لنقرأ أخبارهم ثم نمضي، وإنما يضع أمامنا طرقًا سار فيها بشر واجهوا الخوف، والانتظار، والوحدة، والمواجهة، والابتلاء، ثم اختار كل واحد منهم موقفه أمام الله.

وحين نقرأ عن إبراهيم عليه السلام، لا نقرأ فقط عن رجل عاش في زمن مضى، وإنما نرى إنسانًا وجد نفسه أمام طريق يحتاج إلى موقف واضح، فاختار أن يجعل توحيد الله فوق ما ألفه قومه وما وجد عليه آباءه.

قال تعالى: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، (الشعراء: 75–77).

كان بإمكانه أن يبقى داخل المألوف، وأن ينسجم مع الطريق الذي سار فيه من حوله، لكنه اختار طريقًا آخر؛ لأن المعنى الذي استقر في قلبه أصبح أقوى من الطريق الذي اعتاده الناس.

وهنا تتضح المسافة بين أن تعرف الاتجاه وأن تسير فيه.

فقد يعرف الإنسان أن عليه أن يختار الحق، لكن لحظة الاختيار قد تضعه أمام سؤال آخر: ماذا سيفعل حين يصبح لهذا الاختيار ثمن؟

وهذا هو الموضع الذي يتحول فيه الإيمان من فكرة إلى طريق.

فالطريق لا يبدأ عندما تتحرك القدم فقط، وإنما يبدأ قبل ذلك، في اللحظة التي يحسم فيها الإنسان أي شيء سيقدّم، وأي شيء سيترك، وأي معنى سيجعل له الأولوية.

حين تتحول القصة إلى موقف

وفي سورة الكهف نجد صورة أخرى لهذا التحول؛ صورة أولئك الفتية الذين لم يبق إيمانهم مجرد اعتقاد في القلوب، وإنما أصبح موقفًا اختاروا أن يعيشوا على أساسه.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾

(الكهف: 13)

ثم يأتي وصف اللحظة التي أصبح فيها الإيمان طريقًا: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا﴾، (الكهف: 16).

لم يكن الكهف في البداية هو القضية؛ القضية كانت ما الذي اختاره هؤلاء الفتية حين أصبح الإيمان يتطلب منهم أن يبتعدوا عن بيئة لا يستطيعون أن يعيشوا فيها كما يؤمنون.

وهنا يظهر معنى مهم: قد يعرف الإنسان الطريق، لكنه لا يعرف دائمًا تفاصيله.

فأصحاب الكهف لم يعرفوا ماذا سيحدث لهم بعد أن دخلوا الكهف، ولم يعرفوا كم سيطول انتظارهم، ولم تكن أمامهم خريطة واضحة لما سيأتي. كانوا يعرفون شيئًا واحدًا: أي طريق اختاروا، ولماذا اختاروه.

وهذا يكفي أحيانًا لكي يبدأ الإنسان السير.

فالطريق لا يشترط أن يكشف للإنسان نهايته منذ الخطوة الأولى؛ يكفي أن يكون الاتجاه واضحًا.

حين يصبح الطريق اختبارًا

لكن الطريق الذي يختاره الإنسان لا يعني أن الاختبار انتهى. بل ربما يبدأ الاختبار الحقيقي بعد الاختيار.

وهنا تأتي قصة موسى عليه السلام بصورة شديدة الدلالة. فعندما خرج موسى ومن معه، واشتد الخوف، بدا الطريق أمامهم مغلقًا، حتى قال أصحاب موسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾.

فكان جواب موسى عليه السلام: ﴿قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾،(الشعراء: 61–62).

هنا يتحول التوكل من كلمة نعرف معناها إلى موقف نعيشه.

فالإنسان قد يقول إنه يتوكل على الله ما دامت الأسباب تسير كما يريد، لكن معنى التوكل يظهر بصورة مختلفة حين تضيق الأسباب، ويصبح الطريق أمام العين مغلقًا، ثم يبقى في القلب يقين لا تسمح له الظروف أن يتحول إلى خوف.

وقد لا يواجه الإنسان البحر نفسه، لكنه قد يقف يومًا أمام طريق يبدو مغلقًا. وقد لا يعيش الظروف نفسها، لكنه يعرف معنى أن تضيق عليه الخيارات، وأن لا يرى كيف يمكن أن تصل الأمور إلى ما يرجوه.

وهنا تصبح القصة مرآة.

فالسؤال لم يعد: ماذا حدث لموسى؟

بل: كيف أتعامل أنا مع الطريق حين لا أرى نهايته؟

حين يصبح الثبات فعلًا يوميًا

لكن معرفة الطريق لا تكفي، والاختيار وحده لا يصنع رحلة. فالطريق يحتاج إلى أن يُسلك، وما يبدأ في لحظة قرار لا يثبت إلا حين يتحول إلى فعل يتكرر.

ولعل قصة يوسف عليه السلام تكشف هذا المعنى بصورة مختلفة؛ لأن طريقه لم يكن موقفًا واحدًا ينتهي بانتهاء اللحظة، وإنما كان سلسلة طويلة من الابتلاءات والاختيارات والانتظار.

من البئر إلى بيت العزيز، ومن الفتنة إلى السجن، ومن السجن إلى التمكين، كان يوسف عليه السلام يواجه في كل مرحلة سؤالًا جديدًا، لكن المعنى الذي استقر فيه لم يكن يتغير بتغير الظروف.

وفي اللحظة التي أُغلقت فيها الأبواب أمامه، لم يكن أمامه سؤال نظري عن الصواب والخطأ، وإنما كان أمام اختيار حقيقي.

قال تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾

(يوسف: 23)

ثم جاء السجن، وجاء الانتظار، وطالت السنوات، ولم يكن الطريق يبدو في كل لحظة وكأنه يقوده إلى النهاية التي ستظهر لاحقًا.

وهنا يظهر معنى الثبات.

فالثبات ليس غياب التعب، ولا يعني أن الطريق يصبح سهلًا، وإنما يعني أن تبقى الوجهة حاضرة حتى حين يتعب الإنسان.

فالاختيار قد يكون لحظة، أما الثبات فهو أن تعيد اختيارك كل يوم.

وقد يكون الفرق بين الإنسان الذي اتخذ قرارًا والإنسان الذي تغيّر فعلًا، أن الأول اختار مرة، بينما الثاني ظل يختار الشيء نفسه حتى أصبح جزءًا من شخصيته.

ولهذا قد تكون أكثر لحظات الثبات صدقًا تلك التي لا يراها أحد؛ حين يفعل الإنسان ما يراه حقًا دون أن ينتظر تصفيقًا، وحين يواصل ما بدأه رغم أن الطريق طال، وحين يتمسك بمبدأ في موقف صغير لن يعرف به أحد.

هناك، في تلك المساحات الهادئة من الحياة، يتبين إن كان المعنى قد أصبح طريقًا فعلًا، أم أنه لا يزال مجرد فكرة جميلة.

حين يصل الطريق إلى نهايته

والإنسان لا يصنع نهايته في اللحظة الأخيرة؛ بل يصنع شيئًا منها في كل خطوة يخطوها قبل الوصول.

فيوسف عليه السلام لم يكن يعرف، وهو في البئر، إلى أين سينتهي به الطريق. ولم يكن يعرف، وهو في السجن، كيف ستتغير حياته. لكن كل مرحلة كانت تصنع فيه شيئًا، وكل موقف كان يضيف إلى الطريق معنى جديدًا.

وهكذا قد يكون الطريق أطول مما يتوقع الإنسان، وقد تكون نهايته مختلفة عن الصورة التي رسمها في البداية، لكن ذلك لا يعني أن الخطوات كانت بلا معنى.

فالاختيارات الصغيرة التي تبدو منفصلة عن بعضها قد تصنع، مع مرور الوقت، اتجاهًا كاملًا. والعادات التي نكررها دون أن ننتبه قد تصبح جزءًا من الطريقة التي نعيش بها، والمواقف التي نختار فيها مرة بعد أخرى تترك أثرًا في الإنسان الذي نصبحه.

ولهذا فالطريق نفسه كان يحمل شيئًا من نهايته.

ليس لأن الإنسان يعرف كل ما سيحدث له، وإنما لأن الاتجاه الذي يختاره اليوم يؤثر في الشخص الذي سيصبحه غدًا.

فالذي يختار الصبر يتشكل بالصبر، والذي يختار الصدق يصبح الصدق جزءًا من طريقه، والذي يعتاد التنازل عن مبادئه قد يجد نفسه بعد سنوات وقد ابتعد كثيرًا عن المكان الذي بدأ منه.

ومن هنا قد لا يكون السؤال فقط: إلى أين وصلت؟

بل ربما يكون السؤال الأعمق: أي إنسان أصبحت وأنا أصل؟

فقد يصل الإنسان إلى ما أراد، ثم يكتشف أن الطريق الذي سلكه غيّره أكثر مما كان يتوقع. وقد لا يصل إلى كل ما أراد، لكنه يكتشف أن الطريق نفسه صنع فيه شيئًا لم يكن موجودًا من قبل.

وهنا تتجاوز قيمة الطريق مجرد الوصول إلى نهايته؛ لأن الإنسان لا يصل إلى النهاية كما بدأ.

ويبقى السؤال

قد يقرأ الإنسان القرآن، وقد يتأمل قصص الأنبياء، وقد يفهم معنى، وقد تتغير نظرته إلى الحياة، وقد يرى أشياء كان يراها من قبل بطريقة مختلفة. لكن كل ذلك يظل في منطقة المعنى ما لم يجد طريقه إلى الحياة.

فالمعنى حين يبقى داخل الإنسان قد يغيّر نظرته، أما حين يدخل في اختياراته فإنه يبدأ في تغيير حياته.

وعندها لا يعود السؤال: ماذا عرفت؟

ولا حتى: ماذا فهمت؟

بل يصبح السؤال أكثر قربًا من الإنسان نفسه: ماذا فعلت بما فهمت؟

هل أصبح ما تؤمن به حاضرًا حين تختار؟ وهل تحوّل اختيارك إلى طريق؟ وهل استطعت أن تثبت حين أصبح الطريق أثقل مما توقعت؟

ثم، بعد كل ذلك، حين تنظر إلى الوراء، ماذا صنع بك الطريق الذي اخترته؟

ربما هنا تكمن المسألة الأعمق كلها؛ فالإنسان يظن أحيانًا أنه هو الذي يختار الطريق، ثم يكتشف بعد سنوات أن الطريق كان، في الوقت نفسه، يختاره هو أيضًا.

كل خطوة كان يظنها مجرد خطوة إلى الأمام كانت تترك أثرًا في داخله، وكل اختيار كان يراه عابرًا كان يشارك في تشكيله، حتى يصبح السؤال في النهاية ليس فقط: إلى أين وصلت؟

بل: من أصبحت وأنت في الطريق.

وحينها ربما نفهم أن المعنى لا يكتمل حين نعرفه، ولا حتى حين نؤمن به، وإنما يكتمل حين نعيش به حتى يصبح جزءًا منا.

فقد يبدأ الطريق بفكرة، ثم يتحول إلى اختيار، ثم يصبح ثباتًا، ثم يصنع إنسانًا جديدًا.

وعند تلك النقطة، لا يعود الإنسان هو الذي يحمل المعنى فقط؛ بل يصبح المعنى هو الذي يحمل شيئًا من الإنسان إلى حيث أراد الله له أن يصل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds