
أمير الصالح
“أمرني ربي بالمداراة مثلما أمرني بالصلاة” ؛ حديث نبوي اختلف في درجة قوته ونسبه للأحاديث النبوية الشريفة، إلا أن مضمونه يدعو لتربية النفس على مراعاة مشاعر الآخرين. المفهوم للحديث لا يخلو من عمق تربوي وتهذيب جميل للسلوك الإنساني، ازدادت الحاجة إليه مع تمادي سوء توظيف منصات التواصل الاجتماعي من قبل عدد ليس بالقليل من ابناء المجتمع الشرقي المحافظ.
تداخل مفهومي: المداراة والمداهنة
يخلط البعض مفهوم المداراة مع مفهوم المداهنة لأن كل منهما يبدوان متشابهين في الظاهر لأنهما يتعلقان بالتعامل اللين مع الآخرين، ولكنهما مختلفان تمامًا في النية والتوجهات والأثر الاجتماعي والأخلاقي والنفسي والاجتماعي والاقتصادي والديني .
المداراة تتميز بأنها بذل الدنيا لصيانة الدين أو صيانة العِرض أو حفظ الكرامة أو تفادي اهل الشر عبر ملاطفة الجاهل أو الفاسق أو الشرير لتأليفه ورده إلى الحق أو دفع الشر أو تفادي الضرر. وهي أمر عقلائي ويُعد من مكارم الأخلاق.
“المداراة” باختصار هي ملاطفة الناس وتجنب إيذائهم وتجنب جرح مشاعرهم وحسن التعامل معهم والتودد لهم لدفع شرهم أو تأليف قلوبهم. المداراة أمر أخلاقي وحضاري ناهض ومطلوب في حدود معينة دون تضيع قيم الكرامة أو الدين ودون مداهنة أحد على الحق.
المداهنة: هي بذل الدين والكرامة والقيم في مجالس الفساق/ الفجار / الأجلاف/ أهل اللؤم لجلب أو لصيانة مكاسب دنيوية مادية، عبر مجالسة و مصانعة ومجاملة الفاسق أو الظالم أو الغشاش أو الفاجر والموافقة على باطله وفسقه وخزعبلاته وفناتقه واستهتاره وظلمه وتطاوله. الدافع للمداهنة من قبل المداهن قد تكون المصلحة الشخصية باستخدام آلية النفاق، لنيل الجاه أو المال أو المكانة أو التقرب من أصحاب السطوة، أو قد تكون الخوف الجبان من قول الحق مع كامل القدرة على قوله. وطبيعة سلوك المداهن هي استئناسه بالمنكر والرضا بالمعصية واحتفائه بأهل الفجور وإن ادعى خلاف ذلك وتلون. وكل تلكم الأمور هي من صفات المنافقين وإن تلونوا أو برروا.
كم مداهن وكم مدارٍ يعيشون حولك
لا تحتاج للكثير من الجهد، فإن واقع العالم الرقمي في المنصات الاجتماعية مثل التيك توك والسناب شات والأنستجرام أضحى يضج بما تخفيه بعض الأقنعة؛ وكل ما عليك عقد دراسة بسيطة في تحليل تلكم الشخصيات من خلال ما تنشره على مدى زمني لتستخلص المشاهد وتضع جداول الإحصاء.
في عصر العالم الرقمي حيث يضج بأنواع مختلفة من الارستقراطيين الباحثين على الشهرة؛ تجد أطيافًا متنوعة من الارستقراطيين إلا أن الأكثر حضورًا هم استقراطيوا أصحاب المال واستقراطيوا أصحاب النسب واستقراطيوا أصحاب الفكر.
ولذا نهمس في أذن من أعطاهم الله بعض المال أو شرف النسب، بأن لا يتباهوا كثيرًا ولا يتفاخروا على الملأ سواء عند الحديث في المجالس مع الآخرين عن حسبهم ونسبهم أو أموالهم وثروتهم وأملاكهم أو عبر نشرهم ليوميات موائدهم العامرة أو سفراتهم المتعددة وسياراتهم الفارهة في تطبيقات التواصل الاجتماعي مثل السناب شات والتيك توك. فالأموال والثروات والممتلكات والنسب والحسب هي رزق من الله لهم وليكثروا من الحمد لله عليها كي لا تزول. فان أرادوا أن يبرزوا فعليًّا فليطرحوا مشاريعهم الفكرية وخرائط الطريق لبناء المجد لمجتمعهم بين الأمم. والفكر يحتاج وقت طويل لبنائه إلا أنه هو أكبر مغنم والأكثر داومًا لعز الإنسان.




