
أحمد الطويل
مقدمة:
ربما كانت أخطر الأسئلة هي تلك التي لا نشعر أننا بحاجة إلى طرحها.
نحن نسأل عن بداية العالم، وعن سر الحياة، وعن الموت، وعن الإنسان، وعن المصير، ونبحث عن تفسير لما يحدث حولنا، لكننا نادرًا ما نتوقف عند الحقيقة التي نقف عليها ونحن نسأل كل هذه الأسئلة: أننا موجودون.
نعيش وكأن الوجود أمرٌ بديهي لا يحتاج إلى تفسير، وكأن كلمة “أنا” واضحة إلى الحد الذي لا يستحق معه معناها أن نتوقف عنده. نستيقظ كل صباح، نحمل أسماءنا وذكرياتنا وأعمالنا وأحلامنا، ونمضي في الحياة كما لو أن وجودنا حقيقة مكتملة لا تحتاج إلى أكثر من ذلك.
لكن ماذا لو كانت الكلمة الأقرب إلينا هي نفسها أبعد الكلمات غورًا؟
ماذا لو أن الإنسان، قبل أن يسأل: من أنا؟ يحتاج إلى أن يسأل سؤالًا أسبق وأشد عمقًا: من أين جاء أنني أنا موجود؟
من هنا تبدأ هذه السلسلة. لن نسير فيها إلى النتيجة مباشرة، ولن نكشف أوراق الطريق منذ بدايته؛ لأن بعض الحقائق تفقد شيئًا من أثرها حين تُلقى جاهزة، بينما يصبح وقعها مختلفًا حين يقودنا إليها السؤال خطوة بعد خطوة.
سنترك بعض الأبواب مواربة، وبعض الأسئلة معلقة، وسنحاول أن ننظر إلى المألوف بعين لم تعتده.
لنبدأ من أقرب شيء إلينا.
من أنفسنا.
ومن كلمة نظن أننا نعرفها جيدًا: أنا.
حين نقول: أنا موجود
هناك حقيقة تبدو في غاية الوضوح: أنا موجود.
لا يحتاج الإنسان في حياته اليومية إلى برهان على وجوده؛ فهو يشعر بنفسه، ويدرك أفكاره، ويتذكر ماضيه، ويعيش حاضره، ويتطلع إلى مستقبله. ولهذا تبدو عبارة “أنا موجود” من أبسط القضايا التي يمكن أن ينطق بها الإنسان.
لكن الفلسفة تبدأ أحيانًا حين نتوقف أمام أبسط الأشياء ونسأل: ماذا تعني؟
ماذا يعني أن أقول: أنا موجود؟
هل يعني أن وجودي صادر مني؟ هل أنا الذي منحت نفسي هذا الوجود؟ أم أنني وجدت نفسي موجودًا كما وجدت نفسي في زمان ومكان وجسد وأسرة لم أختر شيئًا منها؟
تأمل الأمر من بدايته.
أنت لم تختر أن تولد، ولم تكن حاضرًا حين بدأت قصتك، ولم تحدد اليوم الذي ستفتح فيه عينيك على هذا العالم. لقد وجدت نفسك موجودًا قبل أن تمتلك القدرة على أن تسأل عن وجودك.
ثم كبرت، ومع نمو وعيك بدأت كلمة “أنا” تتسع في داخلك. صرت تقول: أنا أفكر، أنا أريد، أنا أختار، أنا أرفض، أنا أملك، أنا أستطيع.
ومع مرور الأيام قد يبدو لك أن هذه الـ”أنا” مركز قائم بذاته، وأن الأشياء كلها تأتي إليها وتذهب عنها، بينما هي ثابتة في مكانها.
لكن إذا عدنا إلى أصل السؤال، تظهر المفارقة.
أنت تستطيع أن تقول: هذا بيتي، وهذا مالي، وهذا كتابي، وهذا عملي، وهذا جسدي. لكن حين تقول: هذا وجودي، ماذا تعني؟
هل وجودك شيء تملكه؟
وإذا كنت تملكه، فمن أين حصلت عليه؟
وإذا كنت قد أعطيته لنفسك، فمن أنت قبل أن تمنح نفسك ما لم تكن تملكه؟
قد يبدو السؤال مجرد تجريد فلسفي، لكنه في الحقيقة يمس أصل علاقتنا بأنفسنا؛ لأننا نستطيع أن نتصور أنفسنا من دون كثير مما نملك، لكن هل نستطيع أن نتصور أنفسنا من دون أصل وجودنا؟
هنا يبدأ المألوف في أن يصبح غريبًا.
الشيء الذي كان يمكن ألا يكون
انظر حولك، وتأمل كم من الأشياء التي تراها الآن كان يمكن ألا تكون موجودة أصلًا.
هذا البيت كان يمكن ألا يُبنى، وهذه الشجرة كان يمكن ألا تنبت، وهذا الطريق كان يمكن ألا يوجد، وهذا الإنسان كان يمكن ألا يولد. بل أنت نفسك، بكل تفاصيل حياتك التي تبدو لك اليوم حقيقة ثابتة، كان يمكن ألا تكون.
وهنا نقترب من أحد المفاهيم المركزية في الفلسفة الإسلامية: الإمكان.
الممكن هو ما لا يكون وجوده ضروريًا من ذاته؛ يمكن أن يوجد ويمكن ألا يوجد. فذاته لا تفرض عليه الوجود بحيث يستحيل عدمه، ولا تفرض عليه العدم بحيث يستحيل وجوده.
وأنت، من هذه الجهة، ممكن الوجود.
ولست وحدك. إن عالمنا الذي نراه ونلمسه مليء بالممكنات؛ أشياء تظهر بعد أن لم تكن، وتتغير بعد أن كانت، وتزول بعد أن توجد، وكان يمكن لكثير منها أن يكون على غير الصورة التي هو عليها.
لكن كلمة “ممكن” تكشف لنا شيئًا أعمق من مجرد تصنيف الأشياء.
إنها تكشف أن الممكن، من حيث ذاته، لا يحمل سبب وجوده في نفسه.
فإذا كان وجوده ليس لازمًا له، فلا بد أن يكون هناك ما يرجّح وجوده على عدمه.
وهنا يضع القرآن الكريم الإنسان أمام سؤال يوقظ العقل من غفلته: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾.
كأن السؤال يعيد الإنسان إلى النقطة التي يحاول دائمًا أن يتجاوزها: هل أوجدت نفسك؟
إن قلت نعم، عاد السؤال إليك: كيف أوجدت نفسك قبل أن تكون موجودًا؟
وإن قلت لا، فقد اعترفت بأن وجودك ليس منك.
ومن هنا يبدأ السؤال في الاتساع.
فإذا كان وجودي ليس مني، فمن أين جاء؟
حين لا تكفي كلمة “سبب”
قد نقول ببساطة: لكل شيء سبب.
وهذا صحيح في كثير من الأمور التي نراها في حياتنا. هذا البيت له بانٍ، وهذا الكتاب له مؤلف، وهذه الظاهرة لها أسباب وشروط.
ولكن السؤال الذي أمامنا أعمق من البحث عن السبب القريب لهذا الشيء أو ذاك.
إننا نسأل عن أصل وجود الممكن نفسه.
فإذا كان وجودي يحتاج إلى غيري، ثم كان ذلك الغير محتاجًا إلى غيره، وانتقلنا من علة إلى علة، ومن موجود إلى موجود، فهل يكفي أن نستمر في تأجيل السؤال؟
إن إضافة حلقات جديدة إلى سلسلة المحتاجين لا تجعل السلسلة غنية.
لو وقف ألف فقير جنبًا إلى جنب، فلن يصبحوا أغنياء لمجرد اجتماعهم. ولو كان كل واحد منهم محتاجًا إلى غيره، فإن اجتماع المحتاجين لا يلغي حاجتهم.
وهنا يضطر العقل إلى سؤال أكثر جرأة: هل يمكن أن يكون كل ما في الوجود محتاجًا، ولا يكون هناك موجود لا يحتاج؟
إذا كان كل ما نعرفه ممكنًا، وكل ممكن مفتقرًا إلى ما يرجّح وجوده، فمن أين جاء الوجود الذي تقوم عليه هذه الممكنات؟
وهنا نقترب من أصل المسألة.
فالعلة التي تمنح غيرها الوجود لا يمكن أن تكون، من الجهة نفسها، مجرد حلقة أخرى تحتاج إلى من يمنحها الوجود، وإلا بقي السؤال قائمًا.
لسنا نبحث إذن عن “سبب أول” بالمعنى الزمني فقط، وكأننا نريد أول حلقة في تاريخ طويل؛ بل نبحث عن مبدأ لا يكون وجوده مستمدًا من غيره.
وهنا تصبح القضية أكثر عمقًا مما تبدو عليه لأول وهلة.
الفقر الذي لا نراه
حين نقول إن الإنسان فقير، يتبادر إلى الذهن المال، أو الصحة، أو العلم، أو الأمان. لكن هناك فقرًا أعمق من ذلك كله؛ فقرًا لا يتعلق بما نملك، بل بما نحن عليه.
قد يستغني الإنسان عن مال، أو بيت، أو منصب، أو عن أشياء ظن يومًا أنه لا يستطيع الحياة من دونها. لكنه لا يستطيع أن يستغني عن أصل وجوده.
وهنا تكتسب الآية القرآنية معنى يتجاوز كل صور الحاجة المعتادة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.
لم يقل: أنتم الفقراء إلى الرزق، أو الصحة، أو الأسباب، وإنما قال: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾.
وهذا الفقر ليس حادثًا بعد وجودنا، كما لو أن الإنسان صار محتاجًا لأنه مرض أو افتقر أو أصابه البلاء؛ بل هو أعمق من ذلك كله.
إنه فقر الممكن إلى من يفيض عليه الوجود، لا فقرًا في بعض ما يملك فقط.
فالإنسان قد يكون غنيًا بالنسبة إلى إنسان آخر، وقويًا بالنسبة إلى ضعيف، وعالمًا بالنسبة إلى جاهل، لكنه يظل في أصل وجوده ممكنًا؛ لا يملك أن يقول لوجوده: ابقَ، فيبقى، ولا يستطيع أن يمنح نفسه وجودًا لم يكن له.
وهنا يحضر معنى جميل طالما ردده أهل الحكمة في حديثهم عن فقر الممكن وغنى الواجب: كل ما في الوجود فقير في ذاته، والغنى المطلق لله وحده.
ولعل هذا هو المعنى الذي يجعل بعض أبيات أهل الحكمة تترك في النفس أثرًا يتجاوز العبارة نفسها:
“كلنا جدولٌ من بحرِ الوجود
كلنا دفترٌ من الغيبِ والشهود
كلنا مظهرٌ للواجبِ الودود
والأسفُ أننا في الجهلِ ركود”
فإن أخذنا هذه الصورة على سبيل التشبيه لا الحقيقة الحرفية، فإنها تذكّرنا بأن الممكن لا يملك غناه من نفسه، وأن نسبته إلى الواجب ليست نسبة جزء إلى كل، ولا نسبة شيء من ذات الله إلى شيء من خلقه؛ فالخالق سبحانه منزّه عن الحلول والاتحاد، والمخلوق مخلوق، وإنما الحديث عن افتقار الوجود الممكن إلى علته ومبدئه.
ومن هنا تبدأ صورة أخرى للعلاقة بين الإنسان وربه.
ليست المسألة أن الله خلق الإنسان في لحظة من الماضي ثم تركه قائمًا بنفسه، كما يصنع الصانع شيئًا ثم يستقل الشيء عنه. بل إن السؤال الأعمق هو: هل يستطيع الممكن أن يستقل بوجوده بعد أن يوجد؟
لو كان وجوده من ذاته واجبًا، لما كان ممكنًا.
وإن كان وجوده من غيره، بقي مفتقرًا إلى غيره.
وهنا يقترب معنى القيّوم من أعماق المسألة؛ فالله سبحانه هو القائم بنفسه، المقيم لغيره، ولا قيام للممكن إلا بعناية الله وإمداده وإبقائه.
لكننا لم نصل بعد إلى نهاية الطريق.
بل لعلنا وصلنا الآن فقط إلى النقطة التي يبدأ منها الطريق الحقيقي.
قبل أن نعرف من هو الغني
ربما عاش الإنسان طويلًا وهو يظن أنه يملك وجوده لأنه يملك أشياء كثيرة.
يملك بيتًا ومالًا وعلمًا وقرارًا وعلاقات وقدرة على الاختيار. ثم يأتي التأمل الوجودي ليضع كل ذلك جانبًا ويسأله سؤالًا واحدًا: ومن أين لك أنت هذا الوجود الذي به تملك كل شيء؟
هنا تتغير المسألة.
لم يعد السؤال: من أعطاني المال؟
بل: من أعطاني القدرة على أن أكون؟
لم يعد السؤال: من يحميني عندما أخاف؟
بل: من الذي يجعلني موجودًا أصلًا حتى أخاف؟
لم يعد السؤال: من يرزقني إذا احتجت؟
بل: من الذي أمدني بالوجود الذي به أطلب الرزق وأتحرك وأرجو؟
عند هذه النقطة يتحول “الفقر إلى الله” من عبارة نرددها إلى حقيقة وجودية يمكن أن تهز تصور الإنسان عن نفسه.
فنحن لا نفتقر إلى الله لأننا ضعفاء فحسب، ولا لأننا نحتاج إلى بعض عطاياه، بل لأن وجودنا نفسه ليس مستغنيًا عنه.
إننا، شئنا أم أبينا، لسنا قائمين بأنفسنا.
وهذه الحقيقة، إذا استقرت في العقل، ستجعل كلمة “أنا” مختلفة تمامًا.
فالإنسان الذي كان يقول: “أنا موجود”، يبدأ شيئًا فشيئًا في إدراك أن العبارة الأدق هي: أنا موجود… ولكن وجودي ليس مني.
ومن هنا لا يعود السؤال عن الله سؤالًا يقع خارج وجودنا، بل يصبح سؤالًا عن أصل وجودنا نفسه.
حين يتغير معنى “أنا”
ربما لم يتغير شيء في العالم من حولنا بعد هذه الرحلة القصيرة؛ ما زال البيت هو البيت، والطريق هو الطريق، والإنسان هو الإنسان، وما زلنا نستطيع أن نقول ببساطة: “أنا موجود”.
لكن شيئًا ما ينبغي أن يكون قد تغير في معنى هذه العبارة.
فقد اكتشفنا أن وجودنا ليس شيئًا نملكه كما نملك الأشياء، وأننا نستطيع أن نفقد كثيرًا مما حولنا دون أن نفقد حقيقة كوننا نحن، لكننا لا نستطيع أن نستغني عن ذلك الذي به كان وجودنا أصلًا.
وهنا يظهر الفقر في معناه الأعمق.
ليس الفقير من خلت يده من المال، ولا المحتاج من فقد بعض ما يريد؛ إنما الفقر الأشد عمقًا أن يكون الشيء في أصل وجوده مفتقرًا إلى غيره. ومن هذه الجهة، لا يقف الإنسان وحده في دائرة الحاجة، بل يقف العالم كله أمام السؤال نفسه.
فكل ممكن يسأل، بوجوده قبل لسانه: من أين لي أن أكون؟
ولعل أجمل ما في هذا السؤال أنه لا يدفعنا إلى النظر بعيدًا فقط، بل يعيدنا إلى أنفسنا. يجعل الإنسان ينظر إلى الـ”أنا” التي طالما شعر أنها مركز الأشياء، ثم يكتشف أنها، في أعمق طبقاتها، ليست مركزًا مستغنيًا، وإنما وجودٌ مفتقر.
وهنا، عند هذه العتبة تحديدًا، ينبغي أن نتوقف.
فقد عرفنا شيئًا عن الفقير، لكننا لم نعرف بعدُ من هو الغني.
وإذا كان الممكن لا يحمل في ذاته ما يفسر وجوده، فهل يمكن أن يكون كل ما في الوجود ممكنًا مفتقرًا؟ أم أن وراء هذا الفقر وجودًا آخر لا يستمد وجوده من غيره؟
هنا ينتهي السؤال الأول.
وهناك يبدأ السؤال الذي يليه.
يتبع في المقالة الثانية: “الذي لا يحتاج إلى أن يكون”.





