
محفوظ الزويد
بين السعي والتوكّل في الرؤية الإسلامية
هناك سؤالٌ يتردد في ذهن الإنسان كلما أقبل عليه مستقبلٌ لا يعرف ما يخفيه:
هل سيكون الغد كما نرجو؟
قد يكون السؤال في ظاهره عن المال، ولكنه في أعماقه عن الأمان. شابٌّ يبحث عن وظيفة، وربُّ أسرةٍ يخشى أن يتراجع دخله، وآخر يفكر في مشروعٍ جديد ولا يدري أين تنتهي خطواته، وإنسانٌ يعمل ساعات طويلة لأنه يخشى أن يتوقف لحظةً فيتراجع كل شيء.
ومع كل ذلك، يبقى المستقبل عصيًّا على الضمان.
نخطط، وندرس، ونتعلم، ونحسب المخاطر، ونبحث عن الفرص، ونحاول أن نمسك بخيوط الغد قبل أن يأتي؛ ولكننا، مهما أحكمنا الحساب، لا نستطيع أن نحيط بكل ما سيقع.
ومن هنا يظهر سؤالٌ يتجاوز الاقتصاد إلى الإيمان والحياة:
إذا كان الرزق بيد الله، فلماذا نسعى؟ وإذا كان علينا أن نسعى ونعمل ونخطط، فأين يكون التوكّل؟
قد يبدو أن بين الأمرين تناقضًا، ولكن الرؤية الإسلامية لا تضعهما في مواجهة، بل تجمعهما في معادلة دقيقة: أن تعمل بكل ما تستطيع، من غير أن تتوهم أنك تملك كل شيء.
فالتوكّل ليس أن تتوقف عن الحركة، كما أن السعي ليس أن تعيش أسيرًا لوهم السيطرة على المستقبل.
إنها تربية للإنسان على أن يأخذ بالأسباب بجدّ، وأن يعلّق قلبه بمسبّب الأسباب.
الله هو الرزاق والإنسان مأمور بالسعي
يقرر القرآن أصلًا واضحًا:
﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ هود:6، ويقول سبحانه: [إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ] الذاريات: 58
فالرزق في أصله نعمة وهبة إلهية، والله تعالى هو المالك والمدبر والرازق، ولكن ذلك لا يعني أن الإنسان يعيش خارج قوانين الحياة؛ فقد جعل الله للمعاش سننًا، وربط كثيرًا من النتائج بمقدماتها.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: 11]، فالنهار بما يحمله من حركة وعمل ونشاط جزء من النظام الذي تجري عليه الحياة.
ومن هنا ينبغي أن نفهم المعادلة بدقة: الرزق من الله، ولكن طلب الرزق مسؤولية الإنسان.
فالمطلوب من الإنسان أن يبذل وسعه في العمل والتخطيط والتعلم، لا أن يضمن النتيجة؛ لأن النتائج تتداخل فيها أسباب كثيرة، بعضها يدخل في قدرته وبعضها يتجاوزها.
التوكّل ليس ترك العمل
التوكّل ليس أن يجلس الإنسان منتظرًا الرزق، فلا يتعلم، ولا يبحث عن عمل، ولا يستشير أهل الخبرة. إنه اعتماد القلب على الله مع القيام بالوظيفة والأخذ بالأسباب المشروعة.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3].
فالتوكل عمل القلب، والأخذ بالأسباب عمل الجوارح، وكمال التوازن أن يجتمعا.
وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «لا تَدَعْ طَلَبَ الرِّزْقِ مِنْ حِلِّهِ، فَإِنَّهُ أَعْوَنُ لَكَ عَلَى دِينِكَ، وَاعْقِلْ رَاحِلَتَكَ وَتَوَكَّلْ».
ولهذا جاء في الحديث: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ؛ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا». فالطير لا تبقى في أعشاشها انتظارًا للطعام، بل تغدو وتتحرك وتطلب، ثم تعود.
أما التواكل فهو أن يترك الإنسان ما يستطيع فعله، ثم يسمي عجزه توكلًا: يستطيع أن يتعلم فلا يتعلم، ويستطيع أن يبحث عن عمل فلا يبحث، ويهمل إدارة ماله ثم يقول: ” الرزق على الله ”
وقد لخّص الإمام علي (عليه السلام) هذه الحقيقة بقوله: ” قَدْ تَكَفَّلَ لَكُمْ بِالرِّزْقِ، وَأُمِرْتُمْ بِالْعَمَلِ، فَلَا يَكُونَنَّ الْمَضْمُونُ لَكُمْ طَلَبُهُ أَوْلَى بِكُمْ مِنَ الْمَفْرُوضِ عَلَيْكُمْ عَمَلُهُ”. نهج البلاغة، الخطبة 114
فالله تعالى تكفّل بالرزق، والإنسان مأمور بالعمل؛ لا تعارض بين الحقيقتين.
اطلب رزقك… ولكن لا تجعل الرزق يملك قلبك
قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ الجمعة: 10
تجمع الآية بين العبادة والحركة في الحياة؛ فالمؤمن لا يترك المسجد ليترك الدنيا، ولا يدخل الدنيا ليترك الله، بل يحمل قيم العبادة معه إلى العمل.
ومن هنا يصبح العمل الشريف أكثر من وسيلة للحصول على المال؛ فهو ميدان تظهر فيه الأمانة والصدق والإتقان والوفاء بالحقوق. قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ التوبة: 105
وقد عظّمت الروايات شأن السعي في إعالة الأسرة؛ فعن الإمام الرضا (عليه السلام):
” الَّذِي يَطْلُبُ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا يَكُفُّ بِهِ عِيَالَهُ، أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ” وسائل الشيعة، ج 17، ص 67
وعن الإمام الصادق (عليه السلام): ” الكَادُّ عَلَى عِيَالِهِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ “. الكافي، ج 5، ص 88
فطلب الرزق الحلال يمكن أن يكون مسؤولية دينية وأخلاقية، لا مجرد نشاط اقتصادي.
تفاوت الأرزاق لا يعني تفاوت الكرامة
يقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ النحل: 71
والناس ليسوا سواء في مواردهم وقدراتهم وفرصهم، لكن تفاوت المال لا يعني تفاوت القيمة الإنسانية. فالغنى ليس شهادة تلقائية بالفضل، والفقر ليس دليلًا على الهوان.
لذلك لا ينبغي أن يتحول المال إلى معيار وحيد للحكم على الإنسان، ولا أن يتحول تفاوت الأرزاق إلى سبب للحسد أو الاحتقار أو اليأس.
التقوى والرزق: وعد لا يعني ضمان الثراء
قال سبحانه: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ الطلاق: 2-3
لا تعني الآية أن التقوى تجعل الإنسان بمنأى عن الفقر والأزمات؛ فقد يمر الإنسان الصالح بضيق وتأخر في بعض حاجاته. وإنما تبني في داخله الثقة بالله، وتفتح له أبواب المخرج والهداية والتيسير، وتحفظه من أن يجعل الحاجة مبررًا للحرام.
فإذا ضاق الرزق، لا يكون الحل في الغش أو السرقة أو الظلم، بل في إعادة النظر في الأسباب، وطلب الحلال، والاستعانة بالله، والتعاون مع الآخرين.
التوكّل يخفف قلق المستقبل
التوكل لا يلغي التخطيط، بل يحرر الإنسان من وهم السيطرة الكاملة على المستقبل.
فإذا واجه أزمة مالية، لا يستسلم للقلق، بل يسأل: ماذا أستطيع أن أفعل؟ هل أحتاج إلى مهارة جديدة؟ هل يمكن تخفيض النفقات؟ هل أستطيع طلب المشورة؟ هل توجد فرصة أخرى؟
وعن الإمام علي (عليه السلام):
«الرِّزْقُ رِزْقَانِ: رِزْقٌ تَطْلُبُهُ، وَرِزْقٌ يَطْلُبُكَ، فَإِنْ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاكَ، فَلَا تَحْمِلْ هَمَّ سَنَتِكَ عَلَى هَمِّ يَوْمِكَ ” وسائل الشيعة، ج 17، ص 50
وهكذا يتحول القلق من خوف مبهم إلى سعي واعٍ، ومن محاولة السيطرة على المستقبل إلى القيام بما نستطيع في الحاضر.
القناعة لا تعني الاستسلام
يمكن للإنسان أن يطمح إلى بيت أفضل، ودخل أكبر، وتعليم أحسن لأبنائه، وأن يخطط لمستقبله، وفي الوقت نفسه يبقى قانعًا بما عنده، شاكرًا لله، بعيدًا عن الحرام.
القناعة لا تعني ترك الطموح، والطموح لا يعني الجشع.
المشكلة ليست في أن نملك المال، وإنما في أن يتحول المال إلى مالك لقلوبنا.
كما أن مسؤولية الرزق لا تقع على الفرد وحده؛ فالمجتمع مسؤول عن دعم الساعين إلى العمل، وحماية الحقوق، وفتح أبواب التدريب والإنتاج والتكافل. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ المائدة: 2
فالرؤية الإسلامية تجمع بين مسؤولية الإنسان عن السعي ومسؤولية المجتمع عن التكافل والعدل.
كلمة أخيرة: اعمل بقلب المتوكّل
في النهاية، لا يسألنا الإيمان أن نختار بين العمل والتوكل، ولا بين الطموح والقناعة، ولا بين التخطيط والثقة بالله؛ وإنما يعلمنا كيف نجمع بينها دون أن يطغى أحدها على الآخر.
اعمل، ولكن لا تجعل العمل معبودك.
خطط، ولكن لا تطلب من خطتك أن تضمن لك الغد.
اطلب المال، ولكن لا تجعل المال معيار كرامتك.
اطمح إلى الأفضل، ولكن لا تجعل الطموح يستعبدك أو يدفعك إلى الحرام.
وحين تضيق بك الأسباب، لا تتخلَّ عن السعي، ولا تجعل التوكل اسمًا آخر للعجز. افعل ما تستطيع، وتعلّم مما أخطأت فيه، واستشر، وأعد ترتيب خطواتك، ثم اترك ما لا تملك لله.
فليس معنى التوكل أن يعرف الإنسان كيف ستنتهي الطريق؛ بل أن يمشي فيها بما يملك من عقلٍ وعمل، وقلبه مطمئن إلى أن الله أرحم به من قلقه على الغد.
وهنا تتضح المعادلة:
نأخذ بالأسباب بأيدينا، ولا نعلّق قلوبنا بها.
نسعى في الأرض بأقدامنا، ونستمد الطمأنينة من السماء.
فالمؤمن لا يترك الدنيا بحجة التوكل، ولا يغرق فيها ناسيًا ربّه؛ وإنما يعمل، ويخطط، ويطلب الحلال، ويعمر حياته، وقلبه معلّق بالله.
اعمل بكل ما تستطيع، لكن لا تطلب من الأسباب أن تمنحك ما لا تملكه؛ خذ بها بيدك، واترك النتيجة لله بقلبك.





