أمٌّ ربّت، ومعلّمةٌ علّمت، وامرأةٌ أعطت

هشام الرمضان
في الذكرى السنوية السادسة والأربعين لوفاة الجدة بتلاء حسين البوخلف<¹>
هناك نساءٌ يرحلن بأجسادهن، ولكنهن يبقين في ذاكرة أبنائهن وأحفادهن؛ لأنهن لم يتركن وراءهن أسماءً فحسب، بل تركن سيرةً تُروى، ومواقفَ تُذكر، وأثرًا يبقى حاضرًا في حياة من عايشهن. ومن هؤلاء كانت الجدة العزيزة، بتلاء حسين المهنا، رحمها الله.
كانت حياة الجدة مليئةً بالصبر والابتلاء، ولم يكن طريقها سهلًا؛ فقد فقدت زوجها وابنتها في سنة الرحمة، سنة 1362هـ، إثر مرض التيفوئيد، فاجتمع عليها ألم الفقد وثقل المسؤولية، وأصبحت أمام أبناء يحتاجون إلى من يقوم على شؤونهم ويرعاهم.
لكنها لم تجعل من المصيبة سببًا للانكسار، بل مضت في حياتها، تحمل مسؤوليتها، وتسعى مع أبنائها في طلب الرزق، متنقلةً معهم من بلد إلى آخر، محتسبةً ما أصابها وما بذلته في سبيل أبنائها عند الله. وكان صبرها في تلك المرحلة من أبرز ما عُرفت به؛ فقد واجهت الحياة بما فيها من مشقة، وربّت أبناءها، وظلت محافظةً على إيمانها وتعلّقها بالله.
وكان القرآن الكريم حاضرًا في حياتها حضورًا كبيرًا؛ فقد عكفت على حفظه حتى أتمّت حفظه، ولم يكن حفظها للقرآن أمرًا تقف ثماره عندها، بل كانت تعلّمه لمن حولها. ومن الذين عُرفوا ممن تعلّموا القرآن على يديها: الجد أبو جعفر، رحمه الله، زوجها، ومريم أم عبدالأمير محمد المنصور، أطال الله في عمرها.
وكان تعلّقها بالقرآن ظاهرًا حتى في حياتها الزوجية؛ إذ كان من شروط زواجها أن يُسمح لها بإكمال حفظ القرآن الكريم، وهو ما يدل على مكانة كتاب الله في نفسها، وحرصها على إتمام ما بدأته من حفظه.
ومما كانت تقرؤه وتتوسل به إلى الله تعالى، تعبيرًا عن محبتها لأهل البيت عليهم السلام، قصيدةٌ توسلية تُنسب إلى الشيخ محمد بن علي البغلي، وكانت تقرؤها في توسّلها بأهل البيت عليهم السلام، ومن أبياتها:
«إلهي بالمشفّع بالمهادي
محمد خير مبعوثٍ وهادي
وحجتك المهيمن بالعبادِ
أبو الزهراء ونورك في البلادِ
بحيدر الوصي أبي ترابِ
علي المرتضى عالي الجنابِ
حميد الذكر في أمّ الكتابِ
وهادينا إلى سبل الرشادِ
إلهي بحق البضعة الزهراء البتولِ
سليلة أحمد الهادي الرسولِ
بحرمة شأنها عند الجليلِ
بما لاقت من كيد الأعادي
إلهي بحق الحجة الحسن الكريمِ
شبيه أبيه النهج القويمِ
وهادينا إلى دار النعيمِ
شفيع الثابتين على الولاءِ
إلهي بمولانا الصبور على البلاءِ
قتيل الظالمين بكربلاء
بما سالت هناك من الدماءِ
وبالجسم المعفّر بالوهادِ
إلهي وبالسجاد زين العابدينِ
إمام الخلق طرًّا أجمعينِ
بباقر علم خير المرسلينِ
إلى جنات يوم التناهي
إلهي بحق الصادق البر الرحيمِ
سراج العلم ذو الشأن العظيمِ
بكاظم غيظه بحر العلومِ
أبو الأبرار زادي في المعادِ
إلهي بحرمة من ثوى في أرض طوسِ
علي بن موسى الرضا شمس الشموسِ
بحرمة نجله نور النفوسِ
خليفته محمد ابنه الجوادِ».
ومع مرور الأيام، وسّع الله على أبنائها في الرزق، إلا أن عزة نفسها بقيت كما هي؛ فلم تكن ممن يعتمدون على ما في أيدي أبنائهم، بل كانت تحب أن يكون لها سعيها وعملها. فعملت في بيع الكتب الدينية في رحاب السيدة زينب عليها السلام، أثناء إقامتها هناك مع أبنائها. ومن الكتب التي كانت تبيعها: «الحصن الحصين»، و«مفاتيح الجنان»، و«تحفة الأنام»<²>، و«مائدة آل رمضان»، وهو من تأليف ابنها المؤرخ والشاعر الحاج أبي سمير الرمضان.
ولم تكن تجارتها في الكتب الدينية مجرد عمل لكسب الرزق، بل كانت قريبةً من حياتها وما عُرفت به من تعلّق بالقرآن والدين. فكانت تحمل تلك الكتب وتبيعها، وهي امرأة عاشت مع القرآن حفظًا وتعليمًا، فاجتمع في حياتها العلم والعمل والسعي في طلب الرزق.
وبعد عودتها إلى الأحساء، واصلت عملها في بسطة صغيرة تبيع فيها ما يحبه الأطفال من حلويات وغيرها، فتدخل البهجة والفرحة إلى قلوب أحفادها بتلك البسطة الصغيرة.
ولم يكن ما تكسبه من تجارتها لنفسها وحدها؛ فقد كانت تعين ببعض ما تكسبه عوائلَ من أقاربها، وتشارك في قضاء حوائجهم، فكانت تجمع بين عفة النفس، والسعي في طلب الرزق، والعطاء لمن حولها.
الجدة في عيون أهلها
ومن أجمل ما تُعرف به الشخصيات أن تُروى سيرتها على ألسنة من عاشوا قريبًا منها؛ فشهادة أهلها أصدق من كل وصف.
ومن أقوال الوالد العزيز أبي كميل عنها أن الجدة، ما إن يتقدم أحد لخطبة أحد أحفادها أو حفيداتها، حتى تضع شروطًا تراها في مصلحة الطرفين. ولم تكن تلك الشروط تدخلًا عابرًا في شؤونهم، بل كانت نابعةً من حرصها عليهم، ورغبتها في أن تكون حياتهم الزوجية قائمةً على ما يحفظ المودة والاستقرار.
وكانت الجدة حنونةً طيبةً تجاه الجميع، ولا سيما أحفادها؛ تسأل عنهم، وتأخذ بخواطرهم، وتحرص على أن يشعر كل واحد منهم بأنه قريب من قلبها. وكانت من كل بيت من بيوت أبنائها تخص واحدًا منهم بمزيد من المحبة والاهتمام، لشدة تعلقها بأبنائها وأحفادها.
ولم يكن حنانها مقتصرًا على أهل بيتها، بل امتد إلى من حولها؛ فكانت قريبةً من الناس، يجدون عندها صدرًا رحبًا، وكلمةً طيبةً، وقلبًا يسع مشكلاتهم.
وقد نقلت لي الخالة الحاجة أم علي، صديقة بنت الخال أبي ياسين عبدالله أحمد الرمضان، صورةً من صور ذلك الحنان الذي عُرفت به الجدة، التي كانت قد انتقلت في أواخر حياتها إلى بيتهم.
فقد كانت الجدة، إذا عرفت أن امرأةً منشغلة، قالت لها بكل عفوية:
«خلّي أولادش عندي وخذي راحتش».
ولم تكن هذه الكلمات مجرد عرض للمساعدة، بل كانت تعبيرًا عن قلب اعتاد أن يحمل عن الآخرين بعض ما أثقلهم.
وكانت، إذا تخاصم زوجان، سواء أكانا من أهلها أم من المؤمنين، يأتون بهما إليها لتصلح بينهما. فتسعى إلى جمع القلوب، وتهدئة النفوس، وتقديم النصيحة، ولا سيما للزوجة، بما تراه معينًا على تجاوز الخلاف وعودة المودة بين الطرفين.
وهكذا كانت الجدة حاضرةً في حياة من حولها؛ في أفراحهم بنصيحتها، وفي مشكلاتهم بحكمتها، وفي ضيقهم بحنانها، وفي حاجتهم بعطائها.
مدرسةٌ من بيتٍ صغير
وقد صدق الشاعر حين قال:
«الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددتها
أعددتَ شعبًا طيّبَ الأعراقِ».
والجدة، وإن لم تحمل لقب المعلمة، فقد كانت مدرسةً قائمةً بذاتها؛ تعلّم بالفعل قبل القول، وبالسيرة قبل الموعظة، وبالصبر قبل الكلام.
ولعل أجمل ما في سيرة الإنسان أن يبقى أثره حيًّا بعد رحيله؛ أن تتحول أيامه التي مضت إلى ذكريات تُروى، وأن تتحول مواقفه إلى دروس، وأن يبقى ما علّمه في صدور من تلقّوه عنه.
رحيلها
وبعد حياة حافلة بالصبر والتربية والعمل والعطاء، جاء أجل الجدة، فانتقلت إلى رحمة الله تعالى في يوم 28 من شهر ربيع الآخر سنة 1402هـ، عن عمر ناهز الثمانين عامًا. رحمها الله رحمةً واسعة.
رحلت بعد أن أدّت ما استطاعت من رسالتها في الحياة؛ ربّت أبناءها، وعاشت معهم مشقة الأيام، وحفظت كتاب الله وعلّمته، وسعت في طلب الرزق، وأعانت من حولها، وكانت ملجأً لمن أراد النصيحة والإصلاح.
وهكذا لم يكن رحيلها نهايةً لسيرتها، بل بقيت سيرتها حاضرةً في أبنائها وأحفادها، وفيمن تعلّم منها، وفيمن وجد عندها عونًا أو كلمةً طيبةً أو موقفًا لا يُنسى.
رحم الله الجدة رحمةً واسعة، وجزاها عن أبنائها وأحفادها ومن أحسنت إليهم خير الجزاء، وجعل ما قدّمته من تربية وتعليم وإعانة وإصلاح في ميزان حسناتها، وأبقى ذكرها طيبًا ما بقي من عرفها ودعا لها.
زوجها
الحاج حسين بن محمد بن حسين الشيخ علي، الشهيد الثاني<³>، الشيخ محمد صاحب النونية<⁴>، الشيخ عبدالله، الشيخ حسن، الشيخ علي الأول، الشيخ عبدالنبي الرمضان. توفي في سنة الرحمة، سنة 1362هـ، في أواخر ذي الحجة، ويكون للمترجم لها ابنَ خالتها.
أبناؤها
العمة فاطمة، أم حمد محمد العلي الشيخ حسن الرمضان، المتوفاة عام 1362هـ.
العمة مريم، وليس لها ذرية؛ لوفاتها في عمر صغير.
العم علي (الأول)، وليس له ذرية؛ لوفاته في عمر صغير.
العم الحاج جعفر، أبو عبدالرؤوف، المتوفى بتاريخ 8/1/1430هـ، يوم الثلاثاء.
العم الشاعر والأديب محمد، أبو سمير، المتوفى بتاريخ 19/12/1440هـ.
العم الحاج علي (الثاني)، أبو حسين، المتوفى بتاريخ 11/1/1399هـ.
العمة زهراء، وليس لها ذرية؛ لوفاتها في عمر صغير.
العم أحمد (الأول)، وليس له ذرية؛ لوفاته في عمر صغير.
الجد الحاج موسى، أبو عمران، المتوفى بتاريخ 19/12/1446هـ.
الجد المؤرخ الحاج أبو حسن جواد، المتوفى بتاريخ 27/10/1439هـ.
و12. التوأم الساقط، واسماهما، بحسب ما ورد، الجد أبو جعفر بسليم وسلامة، وقد توفيا في الفترة ما بين عامي 1355هـ و1358هـ.
العم أحمد، أبو حسين، المتوفى بتاريخ 30/9/1418هـ.
العمة وجيهة، التي توفيت رضيعةً بعد وفاة أبيها بستة أشهر، أي في جمادى الآخرة عام 1363هـ.
المصادر والمراجع
الجدة العزيزة أم عمران، أطال الله في عمرها.
الخال العزيز الأستاذ جاسم الرمضان، أطال الله في عمره.
الخالة العزيزة أم حسين جاسم الرمضان، أطال الله في عمرها.
الخال العزيز أبو علي حسين جواد الرمضان، أطال الله في عمره.
الخالة العزيزة صديقة أم علي بن حسين الرمضان، أطال الله في عمرها.
الوالد العزيز أبو كميل الرمضان، أطال الله في عمره.
شجرة العائلة للعم أبي فاضل، أطال الله في عمره.
بقلم حفيدها: هشام الرمضان
الهوامش
<¹> عائلة (بوخلف): مساكن هذه الأسرة في محلة الرفاعة التابعة للرفعة الوسطى بمدينة الهفوف، وهي أسرة متفرعة من عشيرة المهنا، أكبر أسر وعوائل الصاغة في الأحساء. والجد الأعلى الجامع لهذه الأسرة هو أبو خلف المهنا الصايغ، من أهالي القرن الثالث عشر الهجري، حيث كان على قيد الحياة في السابع من شهر رجب من عام 1237هـ.
ولهذه الأسرة وجود في دولة الكويت؛ فقد هاجر من الأحساء في بداية القرن الرابع عشر الهجري الحاج عبدالله بن محمد علي بن أبي خلف المهنا، وأنجب محمودًا ومحمدًا، ومن ذريتهما فرع عائلة آل أبي خلف في الكويت.
ومن شخصيات هذه الأسرة في الأحساء الخال الأستاذ سعيد بن محمد بن حسين بن محمد علي بن أبي خلف المهنا، رحمه الله، المتوفى عام 1426هـ.
من كتاب معجم العشائر والعوائل والأسر الأحسائية، بقلم الخال العزيز المؤرخ حسين بن جواد الرمضان.
<²> تحفة الأنام: كتيّب من عشر وريقات، فيه ثلاث قصائد توسلية بأهل البيت عليهم السلام؛ إحداها للشيخ محمد صاحب خير الوصية، والثانية للشيخ علي، والثالثة لا يُعرف صاحبها.
<³> سُمّي الشيخ علي بالشهيد الثاني لاستشهاده فيه عام 1265هـ، وأُطلق عليه هذا اللقب لتمييزه عن عمه الشهيد الأول.
<⁴> سُمّي الشيخ محمد بصاحب النونية نسبةً إلى قصيدته «خير الوصية»، وهي من 220 بيتًا، وفيها يوصي أبناءه بوصايا مليئة بالوعظ والإرشاد.





