بنت الزهراء: أبي السيّد علي السلمان دفع بي لمواجهة صعوبات المجتمع… وصنع مني امرأة لا تقهر

فاطمة المحمد علي : الدمام
في مسيرةٍ امتدت لعقود، شكّل حجّة الإسلام والمسلمين سماحة العلّامة السيّد علي الناصر السلمان نموذجاً متفرّداً للعالِم الذي لم يقتصر دوره على المنبر فقط ! ، بل كان عالماً حاضراً في تفاصيل حياة الناس، عالِمًا صانعاً أثراً عميقاً في الإنسان والمجتمع، عالماً جامعاً بين العلم، والتربية، والحكمة، والخدمة الصامتة .
لم يكن السيّد علي السلمان عالم دين فحسب !بل كان أباً روحياً، ومرجعاً أخلاقيّاً ؛ فجاء الغياب موجعاً بقدر عطائه، وكانت الفاجعة بحجم المكانة التي سكنها في القلوب .
عُرف عنه الحكمة وهدوء ورجاحة رأي، كما وُصف بـ “سيّد العطاء” لما تجلّى في سيرته من بذلٍ صادق، وحرص دائم على خدمة النّاس دون تمييز، جامعاً بين العمق الديني والحضور الاجتماعي الفاعل.
وفي حوارٍ خاص مع صحيفة بشائر الإلكترونية، تحدّثت السيّدة “بنت الزهراء”، ابنة السيّد علي السلمان ومديرة الحوزة العلمية في معهد الإمام المهدي (عج) للدراسات الإسلامية – القسم النسائي بالأحساء، عن علاقتها بوالدها، مؤكدةً أنه كان مصدر إلهامٍ دائم لها، وغرس في وجدانها قيم التقوى، ومنحها الثقة في ذاتها لمواصلة طريقها بثبات ويقين.
فأوضحت السيّدة “بنت الزهراء” أن والدها، السيّد علي السلمان كان صاحب رؤية تربوية سبّاقة، ففي وقتٍ كان السفر إلى مكة المكرمة شديد الصعوبة، بادر إلى إطلاق مسابقة لحفظ القرآن الكريم كاملًا، وجعل جائزتها ( آداء العمرة ) في خطوة عكست حرصه العميق على غرس حب القرآن في نفوس أبنائه وتشجيعهم على التمسك به.
وأضافت السيّدة “بنت الزهراء” أنها خلال مسيرتها في حفظ القران الكريم شعرت بصعوبة التوفيق والتوزان بين حفظ القران وبين التعمّق في باقي العلوم الدينية، ما دفعها للشكوى إلى والدها، موضحةً لهُ أن الحفظ استغرق وقتها وجهدها على حساب التعلّم في مجالات دينية أخرى.
فقدّم والدها السيّد علي لها توجيهاً شكّل منعطفاً حاسماً في حياتها، حيث نصحها بالإلتحاق بالحوزة الدينية، مؤكداً أن دراسة التفسير وتدبّر آيات القرآن الكريم، والتعمّق في علوم أهل البيت (عليهم السلام)، أولى من الإكتفاء بالحفظ دون فهم.
واستذكرت السيّدة أنه في عام 1416هـ كلّفها والدها السيّد علي السلمان، بمهمة الإرشاد الديني ضمن حملة العدل للحجّاج، في وقتٍ لم يكن للمرأة حضورٌ واضح في مجال التبليغ وأن الإقدام على هذا الدور في ذلك الزمان لم يكن أمراً يسيراً! إذ تواجه التجربة نظرة مجتمعية، لا تمنح المرأة حضوراً يُذكر في مجال التبليغ الديني، مشيرةً إلى أنها كانت من أوائل النساء اللواتي تكفلنا بمهمة التبليغ والإرشاد، في ظل غياب نماذج نسائية سابقة في هذا المجال.
وأوضحت أن والدها السيّد علي كان يواصل دعمها ويؤكد ثقته بقدرتها، رغم ما تواجهه من صعوبات ومعارضة اجتماعية، مستحضرةً قوله لها: “اتركي كلام النّاس، الأهم رضا الله تعالى”،وهي الكلمات التي شكّلت دافعاً معنوياً كبيراً رسّخ قناعتها بمواصلة هذا الطريق.
أدركت بعدها أهمية هذا التوجيه بعد التحاقها بالحوزة الدينية، حيث بدأت مسيرتها العلمية بوعيٍ أكبر، وتخصصت في الدروس الحوزوية، معتبرةً أن هذا القرار كان من أعظم أشكال الدعم والتشجيع الذي تلقّته من والدها، الذي آمن بأن العلوم الحوزوية تمثل الطريق الأعمق لفهم القرآن الكريم وأحكام الدين والفقه.
واستذكرت السيّدة “بنت الزهراء”جانباً من السيرة التعبدية لوالدها، السيّد علي السلمان، مشيرةً إلى أنها منذ طفولتها كانت تلاحظ حرصه الدائم على الطهارة وعدم مفارقته للوضوء، إضافةً إلى مواظبته على صلاة الليل.
وأضافت أنه خلال فترة إقامتهم في النجف الأشرف، كان يحرص على زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء المقدسة مساء كل خميس ليلة الجمعة، في صورة تعكس عمق ارتباطه الروحي والتزامه الديني، وهي قيم تركت أثراً واضحاً في شخصيتها وتكوينها .
وأشارت السيّدة “بنت الزهراء” إلى أن والدها السيّد علي السلمان كان قدوة في الكرم وأدب الضيافة، مؤكدةً أن أي ضيف يزورهم كان يجب أن يرافقه حتى الباب عند المغادرة، وهو تقليد كان يطبّقه أيضاً مع بناته، حيث يحدثونه دائماً: “احنا بناتك،كيف تطلع معانا في كل مرّة توصلنا إلى الباب؟ ” ليغرس فيهم روح الاحترام والتقدير للضيف.
وأضافت أن والدها السيّد علي السلمان كان يحثّهم على العبادة الجماعية، مشيرةً إلى أنه عند اجتماع الأسرة، يطلب منهم السيّد ختم المجلس بالصلاة على محمّد وآلِّ محمّد سوياً مئة مرّة باستخدام المسباح، في مشهد يعكس التوازن بين الالتزام الديني وغرس القيم الأسرية والتربوية.
وأشارت السيّدة “بنت الزهراء” إلى أنّ والدها، السيّد علي السلمان، لم يلجأ طوال حياته إلى الضرب في التربية، بل كان يحرص على معاملتهم باحترام، ويتعامل معها كشريكة في الرأي، ويصغي إلى مقترحاتها عند وقوع أي إشكال، مؤكدةً أنّه، رغم أبوّته ومكانته العلمية والدينية الرفيعة، كان يولي كلمتها تقديراً واحتراماً بالغين.
وأضافت أن هذا الاحترام المتبادل وثقة والدها بها أسهما في ترسيخ شعورها بالثقة في نفسها وتعزيز قدرتها على اتخاذ القرارات .
ولفتت السيّدة “بنت الزهراء” إلى جانب آخر من حياة والدها، موضحة إلى حرصه الشديد على الأمانة المالية، والتقوى في التعامل مع أموال صاحب العصر والزمان الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف.
وأكدت أنها طوال حياتها لم تشاهد والدها يأخذ أي مبلغ من مال الإمام المهدي عج من الخمس أو غيره.
وأضافت أن والدها كان شديد الاحتياط والجدية في أمانة المال، لا يتصرف في ممتلكات الآخرين.
وأوضحت أن هذا النهج غرس فيها مبدأ الاعتماد على النفس والتدبير الشخصي للمال، وهو ما طبقته هي أيضاً مع نفسها، مؤكدةً أن كل ما تملكه كان نتيجة اجتهادها وجهدها الشخصي .








