
دلال الطريفي
في الوقت الذي تُعد فيه اللغة العربية إحدى أقدم لغات العالم وأكثرها ثراءً، نجد أنفسنا – نحن أبناؤها – نُطالب بإتقان لغة أخرى كي نحصل على وظيفة، أو نتلقى خدمة، أو حتى نفهم شرحًا طبيًا بسيطًا. المفارقة لا تكمن في تعلم الإنجليزية بحد ذاته، فهي لغة علم ومعرفة وتواصل عالمي، بل في غياب المساواة: نحن نتعلم لغتهم، بينما هم لا يتعلمون لغتنا، رغم أننا في دولة عربية.
لغة وطن لا مجرد وسيلة تواصل
اللغة ليست أداة فحسب، بل هوية وثقافة وانتماء. وفي دولنا العربية، من الطبيعي أن تكون العربية هي اللغة الرئيسة في المؤسسات، وأن يُفترض بمن يعمل هنا – أيًا كانت جنسيته – أن يمتلك الحد الأدنى من القدرة على التواصل مع الناس بلغتهم، ولكن الواقع مختلف، ففي كثير من المنشآت الصحية والخدمية، أصبح المواطن العربي هو الطرف الذي يُجبر على التكيف، بينما العامل الأجنبي لا يُلزم بتعلم العربية، رغم أن وظيفته تتطلب التعامل المباشر مع الجمهور.
قصة مؤلمة تكشف عمق المشكلة
في أحد الأيام، خضعت امرأة كبيرة السن لاختبار طبي، وكان الاختبار مرهقًا وقاسيًا عليها، ليس بسبب طبيعته فقط، بل لأنها لم تفهم ما الذي يجري.
لم يشرح لها أحد طريقة الفحص، ولم يطمئنها أحد، ولم يوضح لها الخطوات.
الطاقم الطبي – رغم كفاءته – كان من جنسيات أجنبية لا يتحدث ولا يفهم العربية إطلاقًا.
هذه القصة ليست حالة فردية، بل أنموذج يتكرر في منشآت أخرى، حيث يصبح المواطن العربي عاجزًا عن التواصل في وطنه، بينما يُفترض أن تكون الخدمات مصممة له وباللغة التي يفهمها.
سوق العمل يشترط الإنجليزية حتى لو لم تكن ضرورية
من غير المنطقي أن تُشترط اللغة الإنجليزية في وظائف لا تتطلب التعامل الدولي أو التقارير الأجنبية.
ومع ذلك، أصبحت الإنجليزية شرطًا رئيسًا للقبول في كثير من الوظائف، حتى تلك التي تعتمد على خدمة الجمهور المحلي، بينما لا يُطلب من الموظف الأجنبي إتقان العربية، رغم أن عمله يعتمد على التواصل مع الناس.
هذا الخلل يخلق فجوة ثقافية ولغوية، ويجعل المواطن يشعر بأنه غريب في وطنه.
تعلم اللغات مهم، ولكن احترام لغة البلد أهم
لا أحد يعارض تعلم الإنجليزية أو غيرها من اللغات، فهي إضافة معرفية مهمة.
ولكن تعلم لغة البلد المضيف هو قاعدة عالمية.
ففي أوروبا، آسيا، وحتى بعض الدول الإفريقية، لا يُسمح للعامل الأجنبي بممارسة عمله دون إتقان لغة البلد الرئيسة، خصوصًا في القطاعات الصحية والتعليمية والخدمية.
فلماذا لا يُطبق هذا المبدأ في دولنا العربية؟
مطلب منطقي: إما إتقان العربية أو توفير مترجم
المطالبة ليست تعقيدًا ولا تعصبًا، بل تنظيمًا واحترامًا للمواطن.
من حق الناس أن يفهموا ما يُقال لهم، وأن يتلقوا خدمات بلغتهم، وأن يشعروا بالأمان في المستشفيات والدوائر الحكومية.
لذا، فإن الحل العادل يتمثل في:
– إلزام الموظفين غير العرب بتعلم أساسيات اللغة العربية، خصوصًا في الوظائف التي تتطلب التعامل المباشر مع الجمهور.
– أو توفير مترجمين مؤهلين في المنشآت الصحية والخدمية لضمان التواصل السليم.
– ومراجعة شرط اللغة الإنجليزية بحيث يُطلب فقط في الوظائف التي تحتاجه فعليًا.
رسالة إلى صناع القرار
نحن نثق بحرص قيادتنا على تعزيز الهوية الوطنية وحماية حقوق المواطن.
ولذلك، نأمل أن يُعاد النظر في سياسات التوظيف واللغة، بما يضمن:
– احترام اللغة العربية كلغة رسمية للدولة.
– تمكين المواطن من الحصول على خدمات واضحة ومفهومة.
– تعزيز الانتماء والهوية في مؤسساتنا.
فاللغة ليست مجرد كلمات، إنها كرامة وهوية وثقافة.




