
أحمد العطافي
لا يزال مسلسل العزايم الفارغة مستمرًا، مشهد يتكرر حتى أصبح مألوفًا حد الاشمئزاز دون هدف واضح ولا غاية تذكر سوى الاستعراض والتباهي على حساب القيم والعقول. موائد تمتد بما يفوق الحاجة، وأطباق تكدس فوق بعضها لا لتُؤكل إنما لتصور وتُعرض وتستهلك في منصات التواصل، وهذا – مع الأسف – ما يتمناه “السنابي المحترم” محتوى جاهز ولقطات مبهرة ومشاهد تغذي حب الظهور، حتى إن كان الثمن هدر النعمة ثم يرمى غالبيتها وكأن النعمة بلا قيمة، وكأن الشكر غاب عن القلوب قبل الألسنة. أي عقل يقبل أن تتحول النعمة إلى فضلات؟ وأي ضمير يرتاح وهو يرى هذا الهدر الصامت؟
المشكلة لم تعد في العزيمة بحد ذاتها إنما فيما تحولت إليه: استعراض عضلات اجتماعية وصور تنشر لتقول”نحن فعلنا”و”نحن أكرمنا”و”نحن كرمنا” . حتى أصبحت الكاميرا ضيفًا رئيسًا وربما أهم من الضيوف أنفسهم، والوجوه نفسها تتكرر، والحضور نفسه في كل مناسبة وكأن الدعوة دائرة مغلقة لا يدخلها محتاج ولا يقترب منها فقير.
فأين معنى الكرم الحقيقي؟ وأين ذلك الذي يُطرق بابه خفية؟ وأين ذلك الذي يُطعم ولا يصور؟ فالكرم في بركة الطعام وليس في كثرته، وفي نية القلوب ليس في عدد الصحون، وفي ستر المعروف وليس في نشر الصور. اتقوا الله في النعم، فكم من بيوت تتمنى كسرة خبز! هذا عملكم ليس كرمًا، هذا إسراف مغطى بثوب المجاملات. اخلصوا النية لله فإن صلحت صلح كل شئ، واجعلوا موائدكم شاهدة لكم لا عليكم، وأطعموا بصمت، وامنحوا بصدق، واتركوا أثرًا طيبًا لا صورة فالصورة تنسى وتندثر.
وهنا لا يتوقف اللوم عند صاحب الدعوة وحده، وإنما يشمل كل من يبارك هذا السلوك ويشارك فيه ويرضى به واقعًا، فالصمت عن الخطأ شراكة وتزيينه جريمة في حق القيم والمبادئ.
إذن: أين دور المرشد والناصح الأمين؟ وأين رسالة الدين في كل ما يحدث؟ وأين تعاليمه التي دعت إلى حفظ النعمة وشكرها وصونها عن العبث؟ وأين وصاياه التي نهت عن الإسراف وجعلت الاعتدال خُلقا والنية أساسًا لكل عمل؟
قولوا كلمة حق، ووجهوا وبينوا…فرب كلمة صادقة تغير عادة وتحيي قيمة وتعيد للكرم معناه الحقيقي. فقد آن الأوان أن يكون لكم موقف لا مجرد حضور صامت. حان دوركم لتنهوا عن هذا العبث، ولتقفوا في وجه الإسراف بالمواجهة والنصيحة الصادقة والكلمة المسؤولة، فلا تكونوا شهود زور على هدر النعمة ولا تصفقوا لمشهد يخالف القيم التي نؤمن بها، وانصحوا بلطف وبحكمة وارفضوا المشاركة مع إخوان الشياطين.
فإن سكوت البعض أو مشاركة بعضكم عن هذا المشهد ليس حيادًا بقدر ماهو قبول ضمني، والمجاملة في موطن الخطأ ليست أدب، وإنما تزيين لما لا يرضي الله.




