
دلال الطريفي : الأحساء
تؤمن الكاتبة السعودية ليلى ربيع بأن القراءة لفهم العالم، والكتابة لفهم الذات، لذلك جاءت نصوصها محمّلة بالمشاعر الإنسانية والأسئلة العميقة التي تلامس القارئ بصدق. ومن خلال روايتيها «بلا صوت» التي صُدرت في عام 2022 و«ربع موت» التي صُدرت في عام 2025، ومجموعتها القصصية «بقايا حبر» المرتقبة، صنعت حضورًا أدبيًا يعكس شغفها بالأدب والثقافة واهتمامها بالغوص في أعماق الإنسان.
وفي هذا الحوار، نتعرف على رحلتها مع الكتابة، ورؤيتها للأدب والمرأة الكاتبة، وعلاقتها بالقارئ والمشهد الثقافي اليوم.
– لديكِ مبدأ: “أقرأ لأفهم العالم وأكتب لأفهم نفسي”، كيف تحوّلت الكتابة بالنسبة لكِ من موهبة إلى وسيلة نجاة وفهم داخلي؟
أصبحت الكتابة بالنسبة لي محاولة دائمة لفهم الذات، ومساحة للتنفيس عمّا يثقل الروح، ومصالحة الألم بالكلمات. فكل نص يبدأ بسؤال، وكل شخصية تولد من إحساس حقيقي وتجربة شعورية عميقة.
– متى شعرتِ لأول مرة أن الكتابة لم تعد مجرد هواية، بل مساحة حقيقية للبقاء والتعبير عن الذات؟
حين رأيت أثر النص في القارئ؛ فالقارئ لا يبحث دائمًا عن قصة جديدة، بل عن شعور يشبهه ويعبّر عنه.
وأؤمن أن الرواية الناجحة هي التي تتحول من نص يُقرأ إلى إحساس يُعاش.
– في روايتيكِ (بلا صوت) و(ربع موت) حضرت المشاعر الإنسانية العميقة بوضوح.. هل تكتب ليلى ربيع من الواقع أم من الخيال الذي يشبهه؟
قد يكون ما أكتبه انعكاسًا لواقع عشته أو أتقنت وصفه، وقد يكون صورة لحياة مثالية تتوق إليها النفس؛ مدينة فاضلة وأشخاص نحلم بالعيش بينهم.
– لماذا تميل كتاباتكِ إلى ملامسة المناطق الحساسة نفسيًا وإنسانيًا؟ وهل تؤمنين أن الأدب الحقيقي يولد من الألم؟
لأن هذه المناطق هي الأكثر صدقًا في التعبير عن الإنسان، فنادرًا ما نكتب عن الفرح بقدر ما نكتب عن الألم.
وأؤمن أن كثيرًا من الكلمات العميقة تولد من رحم الأحزان.
– كيف تنظرين إلى المرأة الكاتبة اليوم؟ وهل أصبحت أكثر جرأة في طرح قضاياها مقارنة بالسابق؟
المرأة الكاتبة مرآة للمجتمع ونبض للحياة، تكتب عن الإنسان من الداخل بلغة تحمل التعاطف والوعي، حتى وإن لم تقل كل شيء.
واليوم أصبحت أكثر جرأة في طرح القضايا، مع حفاظها على ما تمليه عليها القيم والعادات الاجتماعية.
– برأيكِ.. هل تواجه الكاتبة العربية رقابة المجتمع أكثر من رقابة النص؟
في كثير من الأحيان نعم، فالكاتب حين يكتب ينطلق بصدق وحرية، لكنه يُفاجأ بعد النشر برقابة مجتمعية قد ترفض بعض الحقائق أو تحاول فرض رؤيتها الخاصة.
– هل الجرأة في الأدب تعني الصدام مع المجتمع، أم القدرة على قول الحقيقة بلغة مختلفة؟
الجرأة لا تعني الصدام، فهناك حدود لا ينبغي تجاوزها، ولكنها تعني القدرة على قول الحقيقة والتعبير عنها بأسلوب يصل إلى القارئ بصدق ووعي.
– الأندية والصالونات الثقافية شكّلت جزءًا من رحلتكِ الأدبية، ماذا أضافت لكِ عضويتكِ في نادي بيت السرد ومداد وأثر الثقافي وصالون بوح؟
أثرتني هذه التجارب كثيرًا، فقد تعلمت قبل أن أكون كاتبة أن أكون قارئة نهمة ومطلعة، ومحاورة جيدة قادرة على التعامل مع الأسئلة الشائكة وترك بعضها مفتوحًا حين تكون الإجابة ناقصة.
– كيف تقيّمين دور الأندية الثقافية اليوم في احتضان المواهب النسائية الشابة؟
أرى أن لها دورًا مهمًا ورياديًا في تطوير المشهد الثقافي، ودعم المواهب الشابة، ودفع قافلة الأدب نحو مزيد من النضج والتميّز.
– من خلال مشاركاتكِ في مهرجان القصة القصيرة وبيت السرد.. ما الذي يحتاجه المشهد الثقافي العربي ليصنع كاتبًا حقيقيًا لا مجرد اسم عابر؟
يحتاج إلى الصدق الشعوري، والقدرة على تحويل التفاصيل العادية إلى شيء مدهش، والتعبير عن الإنسان في أكثر حالاته التباسًا.
فالرواية العظيمة لا تُقاس بعدد صفحاتها، بل بالأثر الذي تتركه بعد الصفحة الأخيرة.
– هل تعتقدين أن وسائل التواصل الاجتماعي خدمت الأدب والكتّاب، أم صنعت شهرة سريعة على حساب القيمة؟
الأمر يحمل الوجهين معًا؛ فهناك محتوى عابر، وهناك ما يبقى وينفع الناس.
وكما قال تعالى: “فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ”.
– المجموعة القصصية بقايا حبر تحمل عنوانًا لافتًا.. ماذا تمثل “بقايا الحبر” بالنسبة لليلى الإنسانة والكاتبة؟
تمثل عالمًا دراميًا مثقلًا بما يرهق النفس البشرية؛ قصصًا تختبئ داخلها الخيبات والانكسارات وهشاشة الحياة.
– كيف تصفين علاقتكِ بالقارئ؟ وهل تفكرين بردود الفعل أثناء الكتابة أم تكتبين بحرية كاملة؟
حين أكتب، أكون منشغلة بالنص ذاته وليس بردود الأفعال، حتى لو كان هناك قارئ واحد فقط؛ لذلك أكتب بحرية كاملة وصادقة.
– ما أكثر فكرة أو قضية تخشين الكتابة عنها حتى الآن؟
لا يزال هناك الكثير حبيس الذاكرة والأدراج، وربما أخشى أحيانًا أن يعلق القارئ بين السطور ويغرق في ثقل ما أكتبه.
– بين الرواية والقصة القصيرة.. أين تجد ليلى ربيع صوتها الحقيقي؟
أجده في الرواية ذات النفس الطويل، حيث أستطيع التعمق أكثر في الشخصيات والمشاعر والتفاصيل.
– أخيرًا.. ماذا تريد ليلى ربيع أن تترك في ذاكرة القارئ بعد كل نص تكتبه؟
أتمنى أن أترك أثرًا حقيقيًا ومساحة للتشافي، فهناك روايات نقرؤها، وأخرى تشعر وكأنها تقرؤنا نحن.
وفي ختام هذا الحوار، تتقدم صحيفة بشائر بجزيل الشكر والتقدير للكاتبة ليلى ربيع على هذا اللقاء الثري والماتع، وعلى ما قدمته من رؤى أدبية وإنسانية عميقة تعكس شغفها بالكلمة وإيمانها برسالة الأدب.
ونسأل الله لها مزيدًا من النجاح والتألق، وأن تواصل رحلتها الإبداعية بما يترك أثرًا جميلًا في وجدان القرّاء والساحة الثقافية.





