
أحمد الطويل
تنويه:
هذه المقالة هي الرابعة ضمن سلسلة تأملات في كتاب حكمة العبادات للعلامة الشيخ عبد الله الجوادي الآملي، وتواصل التأمل في العلاقة بين العبادة والرؤية والإنسان.
مقدمة:
ليست أخطر مشكلة في الإنسان أنه يجهل الحقيقة، بل أن ظاهر العالم ينجح في إقناعه بأنه لا توجد حقيقة أعمق منه.
فالإنسان لا يتعلق بالأشياء لأنها تملك قوة حقيقية عليه دائمًا، بل لأنه لم ير بعد ما يجعل تلك الأشياء تفقد مركزيتها داخله. ولهذا لم يكن الفرق بين أولياء الله وغيرهم فرقًا في قوة الإرادة فقط، بل في طبيعة ما يرونه خلف ظاهر العالم.
فالذي يرى العالم سطحًا، يخاف فقدانه. أما الذي ينكشف له باطنه، فلا يعود أسيرًا لما يلمع على سطحه.
ومن هنا لم تكن العبادة مجرد طقوس تُمارس داخل الحياة، بل طريقًا يعيد تشكيل رؤية الإنسان للوجود؛ حتى لا يبقى محبوسًا داخل ظاهر الأشياء، ولا داخل ظاهر نفسه أيضًا.
العالم الذي لا يراه الجميع بالطريقة نفسها
ليس العالم واحدًا في أعين الجميع، حتى لو وقفوا أمام الشيء نفسه.
فالناس لا يختلفون فقط في أفكارهم، بل في نوع الرؤية التي يدخلون بها إلى الوجود. ولهذا قد يرى إنسان في المال أمانه الكامل، بينما يراه آخر شيئًا عابرًا لا يملك أن يمنحه الطمأنينة. وقد يرى أحدهم السلطة معنى وجوده، بينما يراها آخر مسؤولية ثقيلة لا تستحق أن يُباع من أجلها ضميره.
ومن هنا لم يكن الأنبياء أشخاصًا قاوموا الإغراء بصعوبة دائمة، بل كانوا يرون العالم بطريقة مختلفة أصلًا؛ ولهذا لم تستطع المغريات أن تدخل إلى قلوبهم كما تدخل إلى قلوب غيرهم.
وحين حاولت قريش أن تُغري النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمال والسلطة ليترك دعوته، قال: “والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته”.
لم يكن ذلك تحديًا أخلاقيًا فقط، بل نتيجة لرؤية لم يعد العالم بعدها قادرًا على أن يبدو أكبر مما هو عليه.
الملك والملكوت: الظاهر الذي يُخفي ما وراءه
يفرق القرآن بين “الملك” و”الملكوت”. فالملك هو ظاهر العالم، أما الملكوت فهو باطنه الممتد وراء الصورة التي تراها العين.
ولهذا يقول تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، ويقول أيضًا: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
وكأن الإنسان يستطيع أن يعيش عمره كله داخل ظاهر العالم دون أن يلتفت إلى أن خلف كل ما يراه طبقة أعمق من المعنى.
ومن هنا لم تكن العبادة انفصالًا عن العالم، بل عبورًا من “الملك” إلى “الملكوت”، ومن ظاهر الأشياء إلى حقيقتها التي لا تُرى بالعين وحدها.
ولهذا دعا القرآن الإنسان إلى النظر في ملكوت السماوات والأرض: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾، لأن المشكلة ليست في غياب الحقيقة، بل في بقاء الرؤية أسيرة السطح.
حين تسقط هيبة الدنيا
الدنيا ليست الأرض ولا البحر ولا الجسد ولا الطعام ولا العمل؛ فكل هذه آيات ضمن نظام الخلق.
لكن الدنيا تبدأ حين يتحول الشيء إلى حجاب يفصل الإنسان عن الله، وحين يصبح التعلق به أكبر من الحقيقة التي خُلق لأجلها.
ولهذا قال الإمام علي عليه السلام: “الدنيا جيفة وطلابها كلاب”.
لم يكن الحديث عن العالم بوصفه شرًا، بل عن ذلك الوجه الذي يفقد الإنسان حريته ويجعله أسيرًا لما يملك أو لما يتوهم أنه يملكه.
ولهذا أيضًا قال: “غرّي غيري”.
فمن ينكشف له باطن الدنيا، لا تعود الأشياء قادرة على إخافته أو إغرائه بالطريقة نفسها؛ لأن سحرها يقوم أصلًا على الجهل بحقيقتها.
فالإنسان لا يُستعبد دائمًا بما هو عظيم فعلًا، بل بما يظنه عظيمًا لأنه لم ير ما وراءه بعد.
الإنسان: قفص أم روح؟
الفرق الحقيقي بين الرؤية المادية والرؤية الإيمانية ليس في تفسير العالم فقط، بل في تفسير الإنسان نفسه.
فبعض الناس يرى الإنسان كائنًا ينتهي بالموت، كما تسقط ثمرة من شجرة ثم تتحول إلى تراب. أما الرؤية التي جاء بها الأنبياء، فترى الإنسان روحًا تعبر الجسد كما يغادر الطائر قفصه.
ولهذا لم يكن الموت عند أولياء الله نهاية مرعبة، بل انتقالًا من ضيق إلى أفق أوسع.
ومن يرى نفسه مجرد جسد، سيبني حياته كلها على الخوف من الفقد. أما من يرى أن وجوده أعمق من حدود الجسد، فلن يبقى العالم قادرًا على ابتزازه بالخوف أو الطمع.
ولهذا قال أمير المؤمنين عليه السلام: “ما شككت في الحق منذ أُريتُه”.
فاليقين ليس مجرد فكرة يقتنع بها الإنسان، بل رؤية تبلغ من الوضوح حدًا لا يعود معه التردد قادرًا على التسلل إلى الداخل.
الأصنام التي لا تُنصب في المعابد
ليست كل الأصنام من حجر، ولا كل عبادة تتجه إلى ما يُرى بالعين.
فبعض الأصنام يتشكل داخل الإنسان نفسه دون أن يلتفت إليه، حين يصبح أسير صورته أمام الآخرين، أو حين يتسلل إليه الخوف من النقد، أو حين يتعاظم في داخله التعلق بالمديح حتى يغدو معيارًا لرضاه عن نفسه. وقد تتحول الرغبة في القبول إلى قوة خفية توجه قراراته دون وعي، فيعبد الإنسان ما يظنه ذاته بينما هو في الحقيقة خاضع لصورة صنعها عن نفسه.
وهكذا قد يترك الإنسان مظاهر التعلق بالعالم، لكنه يظل أسيرًا لأوثان خفية تسكن الداخل، لا تُرى لكنها تُوجّه النظر والقرار والرغبة. وهنا لا يعود الشرك متعلقًا بما هو خارج الإنسان فقط، بل بما يتشكل في أعماقه من أوهام لا يشعر بها.
ولو أُعيد النظر في معنى الأصنام اليوم، لربما لم تكن تلك التي حطمها إبراهيم عليه السلام مجرد تماثيل صامتة، بل نماذج تتكرر في الداخل الإنساني بأشكال أكثر خفاءً وتعقيدًا، حيث يتحول الإنسان نفسه إلى ساحة لصراع غير مرئي بين الحقيقة وما يتوهمه عن نفسه.
الرؤية التي تبدأ حين يهدأ الضجيج
يقول البعض: افتح عينيك لترى. لكن أهل المعنى يقولون: أغمض عينيك قليلًا لترى ما لا يظهر وسط الضجيج.
فليست كل رؤية مرتبطة بكثرة ما تلتقطه الحواس، بل أحيانًا بما تتوقف الحواس عن تشتيته.
ولهذا لا ينفتح القلب على الملكوت ما دام ممتلئًا بضجيج الرغبات والخوف والتعلق.
فالعبادة ليست إلغاءً للعالم، بل إزالةً للغبار الذي يمنع الإنسان من رؤية حقيقته.
وحين يهدأ هذا الضجيج، لا يرى الإنسان العالم بطريقة مختلفة فقط، بل يرى نفسه بطريقة لم يعرفها من قبل.
الخلاصة:
ليست المشكلة أن العالم مليء بما يغري الإنسان، بل أن الإنسان يكتفي غالبًا بظاهر العالم، فيمنح الأشياء حجمًا أكبر من حقيقتها لأنها ما تزال تحجب عنه ما هو أعمق منها.
ولهذا لم يتحرر أولياء الله من الدنيا لأنهم كانوا أقل احتكاكًا بها، بل لأنهم رأوا من باطنها ما جعلها تفقد قدرتها على السيطرة على قلوبهم.
فالعبادة في حقيقتها ليست هروبًا من العالم، بل عبورًا خلاله؛ حتى لا يبقى الإنسان أسير ما يراه لأول مرة، ولا عبدًا لما يلمع على السطح بينما يخفي وراءه خواءً كبيرًا.
ومن هنا لا يبدأ اليقين حين يعرف الإنسان معلومات أكثر فقط، بل حين ينكشف له من الملكوت ما يجعل قلبه يتوقف عن التردد بين الوهم والحقيقة.
وربما لم تكن أخطر الأصنام تلك التي نُصبت في المعابد يومًا، بل تلك التي حملها الإنسان داخل نفسه، ثم قضى عمره يطوف حولها دون أن يشعر.
وفي المقالة القادمة، لن يكون السؤال عن الدنيا التي تُغري الإنسان، بل عن النفس التي تجعل الإغراء ممكنًا من الأصل؛ كيف تتشكل؟ وكيف تتحول أحيانًا إلى الحجاب الأخير بين الإنسان والحقيقة؟
اللهم لا تجعل ظاهر العالم يحجبنا عن باطنه، ولا أصنام نفوسنا تمنعنا من الوصول إليك، وافتح لقلوبنا بابًا من اليقين لا يعود معه شيءٌ سواك أكبر في أعيننا.
المصادر:
القرآن الكريم: يس (83)، الملك (1)، الأعراف (185)، هود (17)، الأنبياء (67)، آل عمران (68)
كتاب: حكمة العبادات، الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
نهج البلاغة
بحار الأنوار
الأمالي، الشيخ المفيد




