
أمير الصالح
الثراء المالي أمر يسعى لتكوينه كل شخص عاقل وطموح ومتزن لأنه يحرز له ولذريته الكرامة المالية، إلا اننا نرى نماذج عديدة ومقولات كثيرة في الموضوع ذاته، فبعضهم يضع معيار ميكافيلي ” الغاية تبرر الوسيلة” أساسًا لاكتساب الثروة؛ وبعضهم يتبنى الآية القرآنية الكريمة ” سورة الملك، آية 15، ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) والآية الأخرى ” سورة الجمعة، آية 11( وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِمًا قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ).
وسأطرح هنا جنبة صناعة النمو المالي من مناظير مختلفة تعبر عن وجهة نظر بعض أبناء المجتمع، ومنها :
منطق ١:
يرفع البعض من أبناء المجتمع شعار “القناعة كنز لا يفنى” وقد يكون ثري بالفعل أو فقير بالفعل أو يعيش كل يوم بيومه أو لديه تدفق قوت من لا يموت أو قنوع بما لديه أو مدفوع له بالرعاية الاجتماعية الأهلية والحكومية. إن كان جسده وعقله صحيحين ومعتمدًا على إعالة المجتمع فإنه عبء ويجب نصحه وتحفيزه للانخراط بسوق العمل.
منطق ٢:
يردد البعض مقولة : ” الثروة الحقيقية هي الصحة والعافية والستر وحب الناس ورضا الله” . شعار جميل ولكن لا يسوغ للركون عن العمل. دون وجود أي تحفيز داخلي أو تحفيز للآخرين بالسعي نحو الاكتساب المالي الرصين. وهذا النوع محلك سر أي أنه ثابت في مسيرته تتخطاه الأمم وتتواكل مدخراته وقد يؤول هو أو أحد أفراد ذريته لما هو دون الحد الأدنى للكرامة المالية.
منطق ٣:
قال البعض: منطقة الراحة والراتب الرائع والإفراط في تقدير جميع النعم التي بين ايدينا وتقدير المحيطين بنا وأن القيمة في العمل الشاق والعلاقة الأسرية الناجحة هي الثروة وقد تلعب كعامل في صنع مستقبل أفضل للأولاد وليس للأب الذي ضحى ويضحي بجهوده ومدخراته لهم. ويسترسلون بالقول المال الكثير والزائد عن الاحتياجات أحيانًا يكون وبالًا على صاحبه وعلى سعادته وصحته وعلى ذريته!
منطق ٤:
وقال البعض من ابناء المجتمع: العمل الشاق هو المحرك، ولكن الرافعة المالية هي عجلة القيادة بذكاء وفطنة لتكوين الثروة. السبب في وصم البعض بأنه مدمن عمل workaholic وقد يتوقف الجهد الدؤوب في كثير من الأحيان عند البعض هو أنه يعمل على وحدات زمنية ثابتة لتداول نسبة خطية 1:1 لوحدات الإنتاج من المال المكتسب. أي أنها علاقة رياضية خطية شبه مسطحة horizontal !! بينما الأمور وعلى ضوء التضخم لاسعار السلع وصعود متطلبات الحياة و تكاليفها، يتطلب النمو الحقيقي نطاقًا غير خطي وتصاعدي محرز: كتحويل الجهد إلى أصول أو رمز أو تفويض أو أنظمة تعمل بشكل مستقل عن وجودك المادي، أي remote أو hybrid أو تطوير تطبيق ذكاء صناعي أو تطوير إجراءات تشغيل (حوسبة / إدارة مالية / إدارة تشغيلية) أتوماتيكية عن بعد. ودون آلية ناجحة لمضاعفة ناتجك حتى وقت نومك أو سفرك أو غيابك، فأنت ببساطة صامولة في محرك مضبوط بدقة يعمل بشكل محايد دون نمو ملموس أو سعي لصناعة ثروة معتد بها تسهل أمورك وأمور الأبناء وتنقل مستوى معيشتك وأجيالك للأفضل.
نعلم أن العنصر المفقود في معظم إجراءات العمل الجاد قد لا يرحم ولا يعتني بالشخص الكادح؛ لابل إن بعض الثقافات الراسمالية وشبه الرأسمالية تعد العامل والموظف الكادح زهيد التكاليف مكسب لها في زيادة أرباحها التشغيلية !! لقد تعلم البعض أن ينذر وقته للعمل وعدم رفض أي مهام تناط به حتى لو تكدست المهام عليه والتضحية بعلاقاته الأسرية وصحته من أجل وظيفته. ولكن الحكمة تكمن في تقليم تغول الوظيفة على حساب الاتزان في شؤون الحياة والسعي لإحراز تعليم ذاتي تطويري لاقتناص فرص كسب جديدة أو السعي الحثيث لأن يكون الشخص رئيس نفسه عبر تكوين شركة خاصة به أو إحراز ثروة بعد فترة من العمل والاشتغال بإدارة استثمار يوفر عائد سلبي passive income مع الحفاظ على علاقات متزنه بأفراد أسرته ومحيطة الاجتماعي وصحة بدنه وعقلة وإيمانه. والإستراتيجية الحقيقية ليست مجرد معرفة الأبواب التي يجب المرور بها ( أسهم / عقار / ذهب / صناديق استثمارية / سندات …إلخ) ؛ بل هي اختيار الأبواب العاجلة أو المريحة أو المألوفة التي يجب إغلاقها بوعي حتى يكون لديك النطاق الترددي النفسي والفكري والزمني لاكتشاف الفرص النادرة عالية المردود والناجعة النفوذ واغتنامها بأسرع وقت مع كامل العناية للقيم والأخلاق والقوانين لإحراز المكاسب المعتد بها لبناء ثروة مالية. حتمًا هذا يستغرق وقتًا وجهدًا ومتابعة طويلة وجلسات سوق.
منطق ٥:
يوصم البعض في بعض الثقافات الشرقية ولا سيما شرق الأوسطية، الإنسان المخلص المتفاني والنزيه في أداء عمله بانه ” حمار شغل ” وهو وصم مُعيب جدًّا. ويردفون أصحاب ذاك الوصف القول بمقولة “لم نر حمار كريف أصبح ثريًّا. الثراء يحتاج إلى ذكاء وفهلوة!!!”. فيرد عليه البعض الآخر من الموظفين بالقول :” منطقك أعوج . فأنا لم ار موظفًا مخلصًا يقلق بشأن المستقبل ولا ينخرط في خيانة الأمانة أو يسلب حقوق شخص آخر أو يتسلق ظهور الكادحين أو يتملق للرؤساء المداهنين. إن الموظف الكادح ببساطة يؤدي عمله بتفانٍ وإخلاص، دون أي عرض بهلواني أو تظاهر تملقي. بل إني شاهدت أكثر من شخص ثري يقلقون على ثرواتهم ويحرسوها ليل نهار ويعيشون عيشة الفقراء مع أنهم سيحاسبون محاسبة الأغنياء وينسلب النوم من أعينهم خشية من تبخر استثماراتهم الكبيرة ولا يشعرون بالراحه في منامهم أو سفرهم أو جلساتهم، فمكالمات الهاتف لا تنقطع !! وأن كان مصدرها من حرام تراه يرتجف من أي بيان صدر من لجان نزاهة، المحاربة للتزوير والغش والنهب والرشوة! ” . نعم هناك أثرياء أجاويد عرفوا طرق الحصول على المال بالحلال والجهد والذكاء عبر عدة وسائل شريفة تستحق التعرف عليها؛ ولستعانوا بالمال لصيانة النفس ومساعدة الأخرين وتزكية أموالهم. فلهم منا كبير التحية.
قراءة أخرى
في كثير من الأحيان، يصبح البشر محاصرين في التوتر والغيرة وعدم الرضا عن حالهم من خلال مقارنة أنفسهم باستمرار بالآخرين ولا سيما مع انتشار مقاطع أحوال الأثرياء عبر السوشل ميديا، في حين يستمر الإنسان الشريف النزيه في أداء عمله بإخلاص وتفانٍ مع احتفاظه بتلبية نداء طموحه نحو إحراز ثروة مالية معتد بها. نركز هنا بأنه لا يحق أن ينعت البعض الموظف المخلص بأنه “حمار شغل” عند أداء واجبه دون شكاوى. بل يجب مدحه وتحفيزه وإرشاده عن بديل/ بدائل عمل ذات مردود أعلى ماديًّا وأفضل أجواءً، وعليه نناشد كل القروبات العائلية والديوانيات الافتراضية طرح ونقاش وتثقيف وعرض الفرص الاقتصادية النامية بدل التهكم أو التحقير أو مناكفة الناس.
في بعض المجتمعات يبنى الاحترام بناء على رصيدك المالي وبعضها لا يأتي الاحترام إذا كانت الوظيفة صغيرة؛ إنه يأتي من الإخلاص والالتزام والنزاهة التي يتم بها العمل. ويبنى المجتمع المستقر بوجود التاجر النظيف والموظف النزيه والعامل المخلص، (وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ).




