أقلام

تداعي المعاني

السيد علي السلمان

تُعدُّ ظاهرة تداعي المعاني من الظواهر الذهنية التي تقوم على ترابط مجموعة من الأفكار المتوالية التي تتوارد على الذهن، بحيث يستدعي بعضها بعضًا بصورة تلقائية؛ لوجود رابط اعتباري أو معنوي بينها.

وترتكز هذه الظاهرة على موقف أو حدث قد يتعرض له الإنسان في حياته اليومية، وهي لا تختص بفئة عمرية معينة، بل تشمل جميع الأعمار؛ فكما تحدث للكبار تحدث للصغار أيضًا، إلا أن الصغير قد يصعب عليه حينئذٍ إدراكها أو تفسيرها.

ولهذه الظاهرة صور متعددة من حيث التكوين والمنشأ؛ فقد تكون مكانية، أو زمانية، أو مجردة في الذهن، أو مرتبطة بالأشخاص. فمثلًا، قد يذكرك شخصٌ ما بموقف محرج أو إساءة سابقة، فيستدعي ذهنك تلقائيًا جميع المواقف المرتبطة بذلك الشخص، حتى يمتلئ بتلك الصور المتزاحمة، التي تتداعى من العقل الباطن الواحدة تلو الأخرى بصورة لا إرادية، فيغدو الحدث كأنه حاضر أمامك، ولا سيما إذا وقع في سنوات العمر الأولى.

وقد يكون الارتباط بين تلك المعاني ارتباطًا زمانيًا، فتعود الصور الذهنية تباعًا، ويعيد العقل تركيبها كما وقعت، ولا سيما إذا كان الفاصل الزمني بين الحدث ووقت تذكره قصيرًا.

يقول أحدهم: كنا في رحلة كشفية في سنوات مضت، وقد تقرر أن نبيت في البر في ليلة مقمرة من شهر شعبان. وفي تلك الليلة تعرضت للدغة عقرب سامة، فنُقلت على وجه السرعة إلى أقرب مركز صحي، ولقيت من الإخوة الأعزاء عناية فائقة. وما زالت تلك الحادثة بكل تفاصيلها حاضرة في ذاكرتي، فما إن ينتصف شهر شعبان من كل عام، ونحن في طريقنا إلى زيارة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة المنورة، حتى تعود تلك المشاهد إلى ذهني، على الرغم من مرور أكثر من أربعين عامًا، وكأنني أراها اليوم رأي العين.

وقد تحدث هذه الظاهرة نتيجة التشابه بين موقف حاضر وآخر سابق، فتستحضر المعاني المشتركة بينهما، وتعيد إلى الذاكرة صورًا قديمة بصورة عفوية، حتى يبدو الموقف الجديد وكأنه امتداد للموقف الأول.

ومن هنا يمكن القول إن المقولة المشهورة: «الشيء بالشيء يُذكر» تعبر تعبيرًا دقيقًا عن هذه الظاهرة.

إن التفاصيل الصغيرة التي ترافق استذكار قصة ما، سواء كانت لفظًا، أو شخصًا، أو مكانًا، تختلف في مقدار تأثيرها النفسي، إلا أن الأثر اللفظي يبقى في كثير من الأحيان أشد رسوخًا وأعمق أثرًا، ولا سيما إذا ارتبط الحدث بظروف أسرية أو اجتماعية.

فالمواقف التي يمر بها الإنسان، إيجابية كانت أم سلبية، تترك أثرًا نفسيًا بالغًا؛ فإذا تعرض صاحبها لما يذكره بها، أو سمع ما يرتبط بها، أو رأى ما يعيدها إلى ذهنه، استرجعت ذاكرته جميع تفاصيلها في عملية ذهنية متسلسلة.

ويعبر بعض المتخصصين عن التأثير السلبي لتداعي المعاني بمفهوم «النظر إلى الوراء»، في إشارة إلى أن الانشغال المستمر بالماضي لا يعيق التقدم فحسب، بل قد يحجب الإنسان عن رؤية طريق النجاح، كما يحجب الرمد البصر عن رؤية الأشياء بوضوح.

وعلى النقيض من ذلك، فإن التركيز على المستقبل، وجعل الطموح هدفًا منشودًا، يدفع الإنسان إلى تجاوز العقبات، ومواجهة الصعوبات، والتغلب على مشاعر اليأس والإحباط، واضعًا أهدافه السامية نصب عينيه.

وفي الحقيقة، ينبغي توظيف هذه الظاهرة بوصفها عاملًا محفزًا وعنصرًا مشجعًا، يستحضر الإنسان من خلالها صور النجاح والإنجاز، فيرسم لنفسه مستقبلًا أكثر إشراقًا، ويرى آفاق أمنياته وأحلامه.

فالوقوف عند ذكريات النجاح، بما تحمله من مواقف وأشخاص وأحداث، يصنع نموذجًا إيجابيًا يبعث في النفس الثقة والعزيمة، ويغذي العقل برسائل إيجابية تعزز الاستقرار النفسي، وتدفع الإنسان إلى الرقي والازدهار.

أما الوقوف المستمر عند الذكريات المؤلمة، ولا سيما العاطفية منها، كحالات الانفصال أو الجفاف العاطفي، فإنه قد يقود إلى الانكماش والعزلة واليأس، وربما الاكتئاب، حتى يشعر الإنسان وكأنه يسير في صحراء قاحلة لا ماء فيها ولا مرعى.

وليس من الغريب أن نرى بعض من مروا بتجارب الفشل والإخفاق يرتقون بعد ذلك إلى أعلى المناصب والمراتب؛ لأنهم أحسنوا توظيف تلك التجارب، وحولوها إلى دوافع للنجاح، فتمكنوا من تجاوز العقبات وتحقيق الإنجاز.

إن العقل الواعي يدرك أن تجاوز الصور السلبية الناتجة عن تداعي المعاني، وعدم الاستغراق في الماضي، يمثلان أساسًا متينًا لبناء شخصية طموحة تتطلع إلى مستقبل مشرق.

ومن التطبيقات المفيدة لهذه الظاهرة أنها تسهم في ترسيخ المعلومات والأفكار في الذهن، وتعزيز الذاكرة، والحد من النسيان؛ وذلك بفضل الترابط بين المعاني، مما يسهل استدعاءها وربطها بعضها ببعض.

كما أن لهذه الظاهرة أهمية كبيرة في المجالات الأمنية والجنائية، إذ تساعد المحققين في تتبع خيوط القضايا، وربط الأدلة والوقائع، والوصول إلى النتائج بدقة أكبر، مما يسهم في حفظ الأمن، وصون الأرواح والأموال والأعراض، وتعزيز الطمأنينة والاستقرار في المجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds