أقلام

موسم عاشوراء … انقضت أيامه وتصرمت لياليه

حسين الحاجي

تنتهي المواسم ، أما المبادئ العظيمة ، فتبقى حيةً في الضمائر ، وهكذا هي مدرسة الإمام الحسين عليه السلام ، لا تغيب بانقضاء المناسبة ، ولا تقف عند حدود الذكرى ، بل تبدأ حين تتحول قيمها إلى سلوك يومي ينعكس في البيت والعمل والطريق والمجتمع ، فما أحوجنا إلى أن نستلهم من سيرته الخالدة معاني الأخلاق والعزة والرحمة والانضباط والإخلاص والتعاون ، ثم نترجمها أفعالاً صادقة في مختلف شؤون حياتنا .

ومن خلال حضوري أكثر من مأتم هذه الأيام ، استوقفتني مشاهد مضيئة تتكرر كل عام ، لكنها ما تزال ترسم أجمل صور الوعي المجتمعي ، وتؤكد أن الخير ما زال متجذراً في النفوس :

( 1 ) الإقبال اللافت للشباب بحضورهم المكاني والوجداني ، وهم يرتدون السواد تعبيراً عن محبتهم وحزنهم على ما جرى لسبط الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ، في صورة تجسد عمق محبتهم وصدق وفائهم ، وارتباطهم بمبادئ سيد الشهداء عليه السلام .

( 2 ) الانتشار المستمر لرجال الأمن الذين أسهموا في تعزيز الطمأنينة والمحافظة على النظام .

( 3 ) التسابق إلى التطوع في خدمة مجالس الإمام الحسين عليه السلام ، فكل يسهم بقدر ما يستطيع ، فهذا ينظم وذاك يستقبل وآخر يوزع الضيافة ، وغيرهم يعملون بصمت وإخلاص ، يجمعهم شرف الخدمة وتوحدهم روح العطاء .

( 4 ) المحافظة على النظافة داخل المجلس وخارجه ، وهو سلوك حضاري يعكس رقي المجتمع ، وقد سر ناظري رجل متقدم في العمر رتّب مكان جلوسه بعد انتهاء المأتم ، وحمل معه عبوة الماء ، في مشهد يجسد ذوقاً رفيعاً وإحساساً عالياً بالمسؤولية ، وبهذه المناسبة أشد على أيدي القائمين على بعض المجالس لاكتفائهم بالوجبات المغلفة ( سفري ) حفاظاً على النظافة ، وتقليلاً لهدر الطعام ، وكذلك تسليمهم أكياساً مخصصة للأحذية أجلكم الله ، كخطوة استباقية لتفادي الزحام وفك الاختناق عند الخروج .

ختاماً : لا يقاس نجاح موسم عاشوراء بعدد المجالس التي حضرناها ، وإنما بما بقي منها في أخلاقنا وسلوكنا بعد انقضائها ، فإذا أصبحنا أكثر صدقاً وأمانةً وإتقاناً لأعمالنا ، واحتراماً للآخرين ، فقد أدركنا جوهر الرسالة ، وجعلنا من الذكرى حياةً تُعاش ، لا مناسبةً تُستعاد ، فالقيم لا تحفظها الكلمات ، وإنما يحفظها الإنسان حين يجسدها في كل موقف وكل يوم .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds