
أحمد الطويل
تنويه:
هذه المقالة هي الأولى من سلسلة “الحسين الذي لا يغيب”، نتأمل فيها جانبًا من نهضة الإمام الحسين عليه السلام ورسالته الخالدة، على أن تتبعها مقالاتٌ أخرى تستكمل التأمل في أبعاد هذه النهضة بإذن الله.
مقدمة:
هناك شخصيات يذكرها التاريخ، وهناك شخصيات تصنع التاريخ، ولكن الإمام الحسين عليه السلام تجاوز حدود التاريخ نفسه. فبعد أكثر من أربعة عشر قرنًا على استشهاده، ما يزال حاضرًا في وجدان الأمة وضمير الإنسانية، وكأن كربلاء لم تصبح حدثًا من الماضي، بل رسالةً متجددةً تعبر الأزمنة وتخاطب الإنسان في كل عصر.
لقد عرف التاريخ ملوكًا وقادةً ملأت أسماؤهم الدنيا في زمانهم، ثم غابت أخبارهم مع تقلب السنين، بينما بقي الحسين عليه السلام حاضرًا في القلوب والعقول، لا بقوة سلطانٍ امتلكه، ولا بجيشٍ قاده، بل لأنه حمل قضيةً أكبر من حدود الزمان والمكان، وجسّد في موقفه أسمى معاني الحق والكرامة والوفاء لله تعالى.
ومن هنا لم تكن عاشوراء مجرد ذكرى لمأساةٍ عظيمة، بل مدرسةً للوعي والبصيرة، تعلّم الإنسان كيف يميّز بين الحق والباطل، وكيف يحافظ على مبادئه حين تشتد الضغوط وتتزاحم المصالح. ولهذا لم يبقَ الحسين عليه السلام شخصيةً تاريخية تُستذكر، بل أصبح رمزًا خالدًا تستلهم منه الأجيال معنى الثبات والتضحية والحرية.
فما السر الذي جعل الحسين لا يغيب؟ ولماذا بقيت كربلاء حيّةً في ضمير الأمة بينما غابت أحداثٌ ودولٌ كانت يومًا تملأ الدنيا قوةً وسلطانًا؟ وكيف يمكن لإنسان هذا العصر أن يجد في نهضته نورًا يهديه وسط تحديات الحاضر؟
تلك وقفةٌ مع الحسين الذي لا يغيب.
لماذا لا يغيب الحسين؟
لم يكن الإمام الحسين عليه السلام أول مظلومٍ في التاريخ، ولا أول من قُتل دفاعًا عن مبدأ، لكن اسمه بقي حاضرًا في الضمير الإنساني بصورةٍ لم يحظَ بها كثير من عظماء التاريخ. وهنا يبرز السؤال: ما السر في بقاء الحسين حيًّا بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا؟
لقد حفظ التاريخ أسماء ملوكٍ وقادةٍ انتصروا بالجيوش، ثم طواهم النسيان عندما انتهت دولهم، بينما بقي الحسين عليه السلام رغم أن المعركة انتهت ظاهريًا باستشهاده واستشهاد أهل بيته وأصحابه. وهذا يكشف أن الخلود لا تصنعه القوة، بل تصنعه الحقيقة التي يحملها الإنسان.
خرج الإمام الحسين عليه السلام وهو يعلم حجم التفاوت بينه وبين خصومه، ويعلم أن النتيجة العسكرية محسومة سلفًا، ومع ذلك مضى؛ لأنه كان يحمل رسالةً أكبر من حسابات الربح والخسارة الآنية. لم يكن يبحث عن سلطة، بل أراد أن يحفظ للأمة ضميرها، وأن يقيم الحجة بأوضح صورةٍ ممكنة.
ولهذا لم تكن كربلاء معركةً على حكمٍ أو أرض، بل معركةً على المعنى. فقد رأى الناس في الحسين الإنسان الذي قدّم كل شيء ولم يساوم على مبدئه، ورأوا فيه صوت الحق حين أصبح مكلفًا، والكرامة حين صار ثمنها الحياة نفسها.
وقد عبّرت الزيارة الجامعة عن هذه الحقيقة بقولها: “الحق معكم وفيكم ومنكم وإليكم”. فالحسين عليه السلام لم يكن مدافعًا عن الحق فحسب، بل كان تجسيدًا حيًّا له في الموقف والسلوك والتضحية.
ولهذا لم يبقَ الحسين لأن الناس تحفظ حادثةً تاريخية، بل لأنه أصبح رمزًا خالدًا لكل إنسانٍ يرفض الظلم، ولكل صاحب مبدأٍ يرفض أن يبيع قيمه مهما كانت الضغوط. فكلما تجدد الصراع بين الحق والباطل، عاد اسم الحسين ليحضر من جديد، وكأن كربلاء لم تنتهِ بعد.
حين انتصر الدم على السيف
في ظاهر الأحداث، انتهت معركة كربلاء بانتصار القوة العسكرية؛ فقد استشهد الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه، وبقيت السلطة بيد خصومه. ولو قُرئت الواقعة بمعايير السياسة المجردة لبدت هزيمةً عسكرية واضحة.
لكن كربلاء كشفت أن التاريخ لا تحكمه موازين القوة وحدها، بل تحكمه أيضًا موازين الحقيقة والوعي. فكم من انتصارٍ عسكريٍ حقق لأصحابه سلطةً مؤقتة، ثم تحوّل مع الزمن إلى شاهدٍ على ظلمهم وانحرافهم.
لقد ظنّ الأمويون أن القضاء على الحسين عليه السلام سيُنهي صوته، لكن الذي حدث كان العكس تمامًا. فبعد كربلاء لم تعد القضية قضية رجلٍ خرج على سلطةٍ قائمة كما أرادوا تصويرها، بل أصبحت قضية أمةٍ رأت بأم عينها كيف يمكن أن يُقتل سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يطالب بالإصلاح والعدل.
ومن هنا بدأت آثار كربلاء تتجاوز حدود يوم عاشوراء. فقد أيقظت الضمائر، وكشفت حقيقة الانحراف الذي أصاب الأمة، وأصبحت نقطةً فاصلة بين الشرعية التي تستند إلى القيم، والسلطة التي تستند إلى القوة وحدها.
إن أعظم ما حققته نهضة الحسين عليه السلام أنها نزعت الغطاء الأخلاقي عن الظلم. فقد بقيت السلطة بعد كربلاء سنواتٍ طويلة، لكنها لم تستطع أن تستعيد الشرعية المعنوية التي خسرتها يوم رفعت السيف بوجه الحسين.
ولهذا لم يكن انتصار الدم على السيف شعارًا عاطفيًا، بل حقيقةً تاريخية. فالسيف استطاع أن يحسم المعركة، لكنه لم يستطع أن يحسم معناها. أما الدم الذي سُفك في كربلاء فقد تحوّل إلى وعيٍ متجدد، يذكّر الأجيال بأن القوة قد تفرض الصمت حينًا، لكنها لا تستطيع أن تجعل الباطل حقًا.
ومن هنا أصبحت كربلاء درسًا خالدًا في أن القيمة الحقيقية لأي انتصار لا تُقاس بما يحققه في لحظته، بل بما يتركه من أثرٍ في ضمير التاريخ. ولذلك بقيت كربلاء حاضرةً بوصفها انتصارًا للحقيقة، حتى وإن بدت في ظاهرها هزيمةً في ساحة القتال.
ويبقى الحسين
لم يكن خلود الإمام الحسين عليه السلام نتيجة انتصارٍ عسكري، ولا ثمرة سلطةٍ بقيت بعده، بل كان ثمرة قضيةٍ بقيت حية في ضمير الإنسان. فمنذ كربلاء لم يعد السؤال: من انتصر في يوم عاشوراء؟ بل أصبح: لماذا بقي الحسين وغاب خصومه؟
ولعل هذا يقودنا إلى السؤال التالي: كيف تحولت كربلاء من واقعةٍ في التاريخ إلى حجةٍ باقية على الإنسان في كل عصر؟ وذلك ما سنتأمله في المقالة القادمة بإذن الله.
اللهم ارزقنا بصيرةً نهتدي بها إلى الحق، وثباتًا لا نحيد معه عن سبيله، واجعلنا من السائرين على نهج الحسين عليه السلام قولًا وعملًا، إنك سميعٌ مجيب.





