
أحمد الطويل
تنويه:
هذه المقالة هي السادسة من سلسلة “الحسين الذي لا يغيب”، للحديث عن مسؤولية الإنسان في إصلاح مجتمعه، لنتأمل كيف أراد الإمام الحسين عليه السلام لأتباعه أن يكونوا دعاةً إلى الحق بأخلاقهم، وسلوكهم، وحضورهم بين الناس.
مقدمة:
إذا كانت مدرسة الإمام الحسين عليه السلام قد صنعت الإنسان المؤمن، وربّته على البصيرة، وهيأته ليكون من المنتظرين الصادقين، فإن هذه التربية لا تقف عند حدود النفس، ولا تنتهي بإصلاح الفرد وحده.
فالإيمان الذي يبقى حبيس القلب لم يحقق غايته، والخلق الذي لا ينعكس على الناس لم يؤدِّ رسالته، والولاء الذي لا يصنع أثرًا في المجتمع يبقى ناقص الثمرة.
ولهذا لم يُرِد أهل البيت عليهم السلام من الناس أن يعيشوا الصلاح لأنفسهم فقط، بل أرادوهم أن يكونوا مصدر هدايةٍ وإصلاحٍ لمن حولهم، حتى يصبح وجودهم رحمةً للناس، وقدوةً في الأخلاق، وشاهدًا حيًّا على القيم التي آمنوا بها.
ومن هنا كانت كربلاء أكثر من واقعةٍ تاريخية، وأكثر من مدرسةٍ لتربية الأفراد؛ إنها مشروعٌ لصناعة مجتمعٍ يقوم على الصدق، والعدل، والرحمة، وتحمل المسؤولية. فكل إنسانٍ يتخرج في مدرسة الإمام الحسين عليه السلام يحمل في عنقه أمانة أن يكون امتدادًا لهذه الرسالة في أسرته، وعمله، ومجتمعه.
ولهذا لا يقاس أثر الولاء بكثرة ما يقال، وإنما بما يتركه صاحبه من نورٍ في حياة الناس. فحين تتحول الأخلاق إلى دعوة، والخدمة إلى رسالة، والاستقامة إلى قدوة، عندها تكون كربلاء قد أدت رسالتها في بناء المجتمع كما أدتها في بناء الإنسان.
ومن هنا يبرز السؤال الذي يحتاجه كل محبٍ للإمام الحسين عليه السلام: كيف تتحول محبتنا للحسين إلى رسالةٍ يعيشها الناس في أخلاقنا وسلوكنا، لا في كلماتنا وشعاراتنا فقط؟
وهذه وقفةٌ مع الحسين حين تصبح كربلاء رسالةً للمجتمع.
الإصلاح يبدأ من الإنسان ثم يمتد إلى المجتمع
قد يتصور بعض الناس أن الإصلاح يعني السعي لتغيير الآخرين، أو معالجة أخطاء المجتمع، أو الانشغال بما يدور في الساحة العامة. لكن القرآن الكريم يضع قاعدةً مختلفة، فيجعل بداية كل إصلاح من داخل الإنسان نفسه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
فهذه الآية لا تتحدث عن الفرد وحده، ولا عن المجتمع وحده، وإنما تكشف العلاقة بينهما؛ فصلاح المجتمع يبدأ من صلاح الإنسان، وانحراف المجتمع يبدأ حين يفرّط الأفراد في مسؤوليتهم تجاه أنفسهم.
ومن هنا لم يكن الإمام الحسين عليه السلام يبدأ مشروعه بإصلاح الأنظمة قبل إصلاح الإنسان، بل خاطب الضمائر أولًا، وأيقظ الوعي قبل أن يواجه الانحراف بالسيف. ولهذا قال في وصيته المشهورة: “إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب”.
فالإصلاح الذي خرج من أجله الإمام الحسين عليه السلام لم يكن مشروعًا سياسيًا مجردًا، بل مشروعًا أخلاقيًا وإيمانيًا يعيد الإنسان إلى فطرته، ويعيد المجتمع إلى قيم الرسالة.
ولهذا فإن أتباع الإمام الحسين عليهم أن يدركوا أن حمل رسالته لا يتحقق بمجرد الانتماء إليه، بل بالسعي إلى أن يكون كل واحدٍ منهم لبنةً في إصلاح من حوله؛ في بيته، وعمله، ومجتمعه. فالمؤمن لا ينتظر أن يصلح الجميع حتى يبدأ، بل يبدأ بنفسه، لأن الإصلاح الحقيقي ينتشر كما ينتشر النور؛ يبدأ من مصباحٍ واحد، ثم يبدد الظلام من حوله.
ولهذا فإن أول خدمةٍ يقدمها الإنسان لنهضة الإمام الحسين عليه السلام ليست في كثرة الكلام عنها، وإنما في أن يجعل نفسه نموذجًا حيًا لما تدعو إليه. فحين يرى الناس الصدق، والرحمة، والعدل، والأمانة فيمن ينتسب إلى الحسين، فإنهم يرون أثر كربلاء في الواقع، لا في الكتب وحدها.
وهكذا يتبين أن الإصلاح في مدرسة الإمام الحسين عليه السلام ليس شعارًا يُرفع، بل مسؤوليةٌ تبدأ من النفس، ثم تمتد إلى الأسرة، ثم إلى المجتمع، حتى يصبح المؤمن شاهدًا على قيم الإسلام بعمله قبل قوله.
الحسين يصنع دعاةً قبل أن يصنع خطباء
إذا كانت رسالة الإمام الحسين عليه السلام رسالةً خالدة، فإنها تحتاج في كل زمان إلى من يحملها كما أرادها هو، لا كما تمليه الأهواء أو الانفعالات.
وليس المقصود بالدعوة أن يتحول كل إنسان إلى خطيبٍ أو كاتب، وإنما أن يكون صادقًا في تمثيل الحق الذي يؤمن به. فقد يبلغ الإنسان برسالةٍ صادقة ما لا تبلغه الخطب الطويلة، إذا وافق قوله عمله، وكانت أخلاقه ترجمةً لما يدعو إليه.
وقد رسم القرآن الكريم هذا المنهج بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
فالدعوة ليست مجرد نقلٍ للمعلومات، بل حسن اختيارٍ للكلمة، ورحمةٌ بالمخاطَب، وحكمةٌ في الأسلوب، حتى يكون المقصود هداية الناس، لا الانتصار عليهم.
ولهذا وجّه الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام شيعته إلى المنهج الذي يجعل دعوتهم أكثر تأثيرًا، فقال: “كونوا دعاةً لنا بغير ألسنتكم، ليروا منكم الورع، والاجتهاد، والصدق، وأداء الأمانة، وحسن الخلق”.
فالكلمة تبلغ الأسماع، أما الأخلاق فتبلغ القلوب، وما استقر في القلب كان أبقى أثرًا.
ولم يكن أصحاب الإمام الحسين عليه السلام دعاةً بما قالوه فقط، بل بما عاشوه. فالحر بن يزيد الرياحي علّم الأجيال معنى التوبة بقراره، وأبو الفضل العباس عليه السلام جسّد الوفاء بموقفه، وعلي الأكبر عليه السلام قدّم صورةً حيةً لأخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله قبل أن ينطق بخطبة.
وهكذا تصنع كربلاء دعاتها؛ فهي لا تبدأ بتعليم البلاغة، بل بتربية الضمير، لأن الدعوة التي تخرج من قلبٍ مخلص تبلغ من النفوس ما لا تبلغه الكلمات المجردة.
القدوة الصامتة حين تتكلم الأخلاق
ليست كل رسالةٍ تحتاج إلى منبر، ولا كل إصلاحٍ يبدأ بخطبة. فكثيرٌ من التحولات العظيمة بدأت بإنسانٍ واحد، لم يكن مشهورًا، لكنه كان صادقًا في أخلاقه، ثابتًا على مبادئه، فصار وجوده دعوةً صامتةً إلى الخير.
ولهذا لا يقاس أثر الإنسان في المجتمع بكثرة ما يقول، بل بما يتركه في نفوس من حوله. فالناس قد تنسى كثيرًا من الكلمات، لكنها لا تنسى خلقًا كريمًا، أو موقفًا نبيلًا، أو أمانةً رأتها متجسدةً في إنسان.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى حين وصف عباد الرحمن بقوله: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾. فلم يسألوا الله منزلةً أو شهرة، وإنما سألوه أن يكونوا قدوةً في الخير، يهتدي الناس بأعمالهم قبل أقوالهم.
وهذا هو الأثر الذي أراده الإمام الحسين عليه السلام لأتباعه. فليس المطلوب أن يبقى الحديث عن كربلاء محصورًا في المجالس، بل أن تُرى مبادئها في البيوت، والأسواق، والمدارس، وأماكن العمل. حين يكون الأب رحيمًا وعادلًا، والأم مربيةً على الإيمان، والمعلم مخلصًا، والتاجر أمينًا، والموظف متقنًا لعمله، يكون الحسين حاضرًا في المجتمع بأخلاق أتباعه.
ولهذا فإن بناء المجتمع لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل بتراكم هذه النماذج الصادقة. فكل إنسانٍ يعيش قيم كربلاء في موقعه يضيف لبنةً في إصلاح الأمة، وربما كان أثره أعمق من أثر كلماتٍ يسمعها الناس ثم ينسونها.
وحين يصبح أتباع الإمام الحسين عليه السلام قدواتٍ في الصدق، والعدل، والرحمة، وحسن المعاملة، فإنهم لا يروون للناس قصة كربلاء فحسب، بل يجعلونهم يرونها ماثلةً أمامهم في واقع الحياة. وعندئذٍ تتحول نهضة الحسين من تاريخٍ يُقرأ إلى رسالةٍ تُعاش، ومن ذكرى تُستحضر إلى قيمٍ تبني المجتمع جيلاً بعد جيل.
ويبقى السؤال
لم يُرِد الإمام الحسين عليه السلام أن تبقى كربلاء ذكرى تُستحضر في موسم، ولا قصةً تُروى عبر الأجيال، وإنما أرادها رسالةً تُغيِّر الإنسان، ثم تمتد آثارها إلى المجتمع.
فكلما ازداد أتباع الحسين عليه السلام صدقًا، وعدلًا، ورحمةً، وأمانةً، كانت كربلاء أكثر حضورًا في واقع الأمة. وحين تتحول المبادئ التي استشهد من أجلها إلى أخلاقٍ يراها الناس في حياة محبيه، يصبح الولاء عملًا قبل أن يكون شعارًا، ورسالةً قبل أن يكون انتماءً.
إن العالم لا يحتاج إلى أن يسمع عن الإمام الحسين عليه السلام بقدر ما يحتاج إلى أن يرى أثره فيمن ينتسبون إليه. فالسيرة الصادقة تبقى في النفوس أكثر من الخطب، والقدوة الحسنة تفتح القلوب قبل الكلمات.
ولهذا فإن مسؤولية الحسيني لا تنتهي عند حب الإمام، ولا عند إحياء أمره، بل تبدأ من هناك؛ إذ يصبح مطالبًا بأن يكون امتدادًا لرسالته في كل موقف، وأن يحمل قيمه إلى الناس بالحكمة، والرحمة، والاستقامة، حتى يكون وجوده شاهدًا على عظمة المدرسة التي تربّى فيها.
غير أن هذه الرسالة تواجه في واقع الحياة تحديًا دائمًا؛ فالمؤمن لا يعيش بين من يوافقه دائمًا، بل يلتقي بمن يختلف معه في الفكر أو الرأي أو المعتقد. وهنا يظهر الامتحان الحقيقي: هل يستطيع أن يبقى وفيًّا للحق، وفي الوقت نفسه وفيًّا لأخلاقه؟
اللهم اجعلنا ممن يحيون أمر الإمام الحسين عليه السلام بأعمالهم قبل أقوالهم، ويجعلون من أخلاقهم رسالةً تهدي إلى الحق، وتقرّب إلى مرضاتك، إنك سميعٌ مجيب.





