
أحمد الطويل
تنويه:
هذه هي المقالة الثالثة من سلسلة “الصوت الذي بقي”، وتتناول المرحلة التي انتقل فيها الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام من مواجهة آثار كربلاء بالكلمة، إلى بناء الإنسان من الداخل، عبر الدعاء والتربية وصناعة الوعي.
مقدمة:
ليست كل الثورات تُبنى في ميادين القتال، ولا كل الانتصارات تبدأ بصوت السيوف.
فقد يأتي على الأمم زمنٌ تصبح فيه الكلمة مراقبة، والحركة محسوبة، والقلوب مثقلة بالخوف، حتى يبدو أن كل طريقٍ إلى الإصلاح قد أُغلق، وأن الصمت أصبح قدرًا لا مفر منه. وفي مثل هذه الأزمنة، قد يظن الناس أن البناء قد توقف، وأن الرسالة لم يعد لها سبيلٌ إلى النفوس.
غير أن السنن الإلهية لا تقف عند ظاهر الأسباب. فإذا أُغلقت أبوابٌ كثيرة، فتح الله بابًا لا يلتفت إليه أكثر الناس، بابًا يستطيع أن يصل إلى القلوب قبل أن يصل إلى الآذان، وأن يصنع الإنسان قبل أن يصنع الحدث.
وهذا هو الباب الذي فتحه الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام بعد كربلاء.
فبعد أن أعاد للأمة وعيها بالحقيقة، بدأ مرحلةً أعمق وأبقى أثرًا؛ مرحلة إعادة بناء الإنسان نفسه، لأن الأمم لا تُبعث من جديد إلا إذا بُعث الإنسان الذي يحمل رسالتها.
ولم يكن أداته في ذلك سيفًا، ولا منبرًا سياسيًا، وإنما شيئًا قد يراه كثير من الناس عبادةً فرديةً لا تتجاوز صاحبها.
كان الدعاء، لكن ذلك الدعاء، في يد الإمام، لم يكن هروبًا من الواقع، بل كان طريقًا لتغييره، ولم يكن انقطاعًا عن المجتمع، بل كان أعمق وسائل بنائه.
ومن هنا تبدأ قصة مرحلةٍ جديدة من رسالة الإمام زين العابدين عليه السلام، مرحلةٍ تحولت فيها المناجاة إلى مدرسة، والعبادة إلى مشروعٍ يصنع الإنسان، حتى بقي أثرها حيًّا بعد أكثر من ألف عام.
حين سُدَّت كل الطرق
بعد عودة الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام من رحلة الأسر، لم يكن المجتمع الذي عاد إليه هو المجتمع الذي خرج منه قبل كربلاء.
فقد تركت السنوات التي سبقت عاشوراء، ثم ما أعقبها، أثرًا عميقًا في نفوس الناس. وأصبح الخوف لغةً يتعامل بها المجتمع، والصمت وسيلةً للبقاء، حتى غدا كثيرٌ من الناس يرون النجاة في الابتعاد عن كل ما يمت بصلةٍ إلى أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله.
كان الناس يخافون أن ينطقوا بالحق، فجعل الإمام الناس يشتاقون إليه قبل أن يجرؤوا على النطق به.
ولم يكن هذا الخوف مجرد شعورٍ عابر، بل كان واقعًا فرض نفسه على الحياة كلها. فالكلمة تُراقَب، والاجتماعات تُتَّهم، والولاء يُحاسَب عليه، حتى أصبحت كل حركةٍ يمكن أن تُفسَّر على أنها معارضة، سببًا في تعريض صاحبها وأهله للأذى.
وفي مثل هذا الواقع، لم يكن من الممكن أن ينهض الإمام بما نهض به جده رسول الله صلى الله عليه وآله في بداية الدعوة، ولا بما نهض به أبوه الإمام الحسين عليه السلام يوم عاشوراء؛ لأن لكل مرحلةٍ ظروفها، ولكل تكليفٍ وسائله التي تقتضيها الحكمة الإلهية.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة حين قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾، (النحل: 125). فالحكمة ليست في ثبات الوسائل، وإنما في ثبات الهدف، واختيار الوسيلة التي تحفظ الرسالة وتبلغها في كل ظرف.
ولهذا لم يكن الإمام زين العابدين عليه السلام يبحث عن وسيلةٍ تُحدث ضجيجًا، بل عن وسيلةٍ تُحدث أثرًا. لم يكن همه أن يلفت الأنظار إليه، وإنما أن يصل إلى القلوب التي أرهقها الخوف، ويعيد إليها الإيمان والبصيرة، دون أن يعرّض الرسالة للفناء، أو يدفع ما بقي من أتباعها إلى هلاكٍ جديد.
ومن هنا بدأت مرحلةٌ جديدة في تاريخ الإمامة؛ مرحلةٌ لم يكن ميدانها ساحات القتال، بل أعماق النفوس، لأن الإمام كان يعلم أن إصلاح المجتمع يبدأ بإصلاح الإنسان، وأن الأمة التي يستعيد أفرادها وعيهم، لا يطول بها الزمن حتى تستعيد رسالتها.
لماذا اختار الإمام الدعاء؟
قد يتساءل بعض الناس: إذا كان الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام يريد أن ينهض بالأمة، فلماذا لم يجعل خطابه خطابًا سياسيًا مباشرًا؟ ولماذا أكثر من الدعاء والمناجاة حتى عُرف بين الناس بكثرة عبادته؟
ويبدو هذا السؤال وجيهًا إذا نظر الإنسان إلى الدعاء على أنه علاقةٌ خاصة بين العبد وربه، لا تتجاوز حدود العبادة الفردية. لكن هذا الفهم لا يكشف حقيقة ما صنعه الإمام.
فالإمام لم يختر الدعاء لأنه انسحب من مسؤولية الإصلاح، وإنما لأنه اختار الطريق الذي يبني الإنسان من جذوره. وكان يعلم أن الأزمة التي تعيشها الأمة لم تكن أزمة سلطةٍ فحسب، بل كانت أزمة إنسان؛ إذ لا يمكن أن يستقيم مجتمعٌ إذا فسدت النفوس التي تصنعه، ولا أن تقوم أمةٌ على الحق إذا فقد أفرادها البصيرة، وغلب عليهم الخوف، واستسلموا للدنيا.
ولهذا بدأ الإمام من النقطة التي يبدأ منها كل إصلاحٍ حقيقي: القلب.
فالقرآن الكريم يقرر أن صلاح الإنسان هو أصل صلاح العمل، قال تعالى:
﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾،(الشعراء: 88-89).
فالقلب السليم ليس ثمرة الإصلاح، بل هو بدايته.
ومن هنا كان الدعاء، في مدرسة الإمام زين العابدين عليه السلام، أكثر من كلماتٍ تُتلى، وأبعد من طلب الحاجات. لقد كان مدرسةً تُعيد ترتيب علاقة الإنسان بربه، وبنفسه، وبالناس، وبالدنيا.
كان الإمام يعلم أن الإنسان إذا عرف ربه حق المعرفة، صغر في عينه كل طاغية، وإذا تعلقت نفسه بالآخرة، لم يعد يخاف على دنيا يفقدها، وإذا زكت نفسه، أصبح قادرًا على مقاومة الباطل قبل أن يقاومه بسلاحه.
ولهذا لم يكن الدعاء عند الإمام هروبًا من الواقع، بل إعدادًا للإنسان الذي يستطيع أن يغيّر الواقع.
فما قيمة الثورة إذا حملها قلبٌ مريض؟ وما قيمة الكلمة إذا خرجت من نفسٍ لم تتربَّ على الصدق والإخلاص؟ وما قيمة العمل إذا كان صاحبه أسير شهواته أو مخاوفه؟
لهذا بدأ الإمام من الداخل، لأنه كان يعلم أن إصلاح الداخل هو الطريق الوحيد لإصلاح الخارج.
ولعل هذا هو السر في أن أدعية الإمام لم تقتصر على طلب الرحمة أو المغفرة، بل امتلأت ببناء الأخلاق، وتزكية النفس، وتعليم الحقوق، وإحياء المسؤولية، حتى أصبح الدعاء عنده منهجًا متكاملًا لتربية الإنسان المؤمن.
الصحيفة السجادية كتاب تربية لا كتاب أدعية
حين يسمع كثيرٌ من الناس باسم الصحيفة السجادية، يتبادر إلى أذهانهم أنها كتابٌ يجمع أدعية الإمام زين العابدين عليه السلام، فيقرؤونه طلبًا للثواب، أو رجاءً لقضاء الحاجات، ثم يطوون صفحاته دون أن يتجاوز أثره لحظة القراءة.
غير أن هذا الفهم، على أهميته، لا يكشف إلا جانبًا من عظمة هذا الأثر الخالد. فالصحيفة السجادية ليست كتابًا للدعاء فحسب، بل هي مشروعٌ متكامل لتربية الإنسان، وبناء عقله، وتهذيب روحه، وإعادة تشكيل نظرته إلى الله، وإلى نفسه، وإلى المجتمع، وإلى الحياة.
ولذلك لم يكن الإمام يعلّم الناس ماذا يقولون لله فقط، بل كان يعلّمهم كيف يكونون مع الله.
ومن يتأمل أدعيتها يجد أنها لا تقتصر على طلب الرزق، أو دفع البلاء، أو سؤال المغفرة، بل تفتح أمام الإنسان أبوابًا واسعة من المعرفة؛ فتعلّمه معنى العبودية، وحقيقة التوكل، وخطر الكبر، وفضيلة التواضع، وحقوق الآخرين، وآداب التعامل مع الوالدين، والجيران، والفقراء، وأهل الثغور، بل وحتى كيفية محاسبة النفس قبل أن تُحاسَب.
ولهذا لم يكن الإمام يربّي ألسنةً تلهج بالدعاء، وإنما كان يربّي قلوبًا تعرف لماذا تدعو، وعقولًا تدرك ما تقول.
ومن هنا نفهم سرّ عناية العلماء بهذه الصحيفة، حتى لُقبت بـ “زبور آل محمد”، لما اشتملت عليه من معارف إلهية، وحقائق أخلاقية، وتربية إيمانية قلّ أن يجتمع مثلها في كتابٍ واحد.
وليس من المبالغة أن نقول: إن الإمام زين العابدين عليه السلام استطاع، في زمنٍ كانت فيه المنابر تُراقَب، والخطب تُمنَع، أن يجعل الدعاء نفسه منبرًا، وأن يجعل المناجاة مدرسة، وأن يودع في كلماتها من العقيدة، والأخلاق، والوعي، ما بقي يُربّي الأجيال قرنًا بعد قرن.
وهنا تتجلى حكمة الإمام؛ فقد اختار وسيلةً لا تستطيع السلطة أن تمنعها، لكنها كانت قادرة على أن تغيّر الإنسان من داخله، لأن الكلمة إذا وصلت إلى القلب، أصبحت أبقى أثرًا من كل سلطان.
ولهذا بقيت الصحيفة السجادية حيّةً بعد زوال الدول، وتغيّر العصور، لأنها لم تُخاطب ظرفًا سياسيًا عابرًا، بل خاطبت الإنسان في كل زمان، وربطته بالمصدر الذي لا يتغير: بالله سبحانه وتعالى.
كيف يصنع الدعاء إنسانًا يصنع أمة؟
قد يظن بعض الناس أن الدعاء أثره يقتصر على صاحبه، وأنه عبادةٌ روحية تنتهي بانتهاء لحظة المناجاة.
غير أن الإمام زين العابدين عليه السلام كان ينظر إلى الدعاء بمنظارٍ أوسع من ذلك بكثير. فهو يعلم أن الأمة لا تُبنى بالحجارة، ولا بالأنظمة، ولا بالشعارات، وإنما تُبنى أولًا بالإنسان. وإذا صلح الإنسان، استطاع أن يصلح ما حوله، أما إذا فسد، فلن تنفعه كثرة القوانين، ولا تبدل الحكومات.
ولهذا كان مشروع الإمام يبدأ من النفس؛ لأنها أصل كل إصلاح.
فالإنسان الذي يتعلم في دعائه مراقبة الله، لن يخون إذا غاب الرقيب. والذي يتربى على محاسبة نفسه، لن يظلم إذا امتلك القوة. والذي يكثر من سؤال الله العفو، سيكون أقدر على العفو عن الناس. والذي يمتلئ قلبه بمحبة الله، ستصغر في عينه مطامع الدنيا، فلا يبيع دينه بعرضٍ زائل.
ومن هنا نفهم لماذا امتلأت أدعية الإمام بطلب مكارم الأخلاق، قبل طلب متاع الدنيا.
فهو لا يريد إنسانًا كثير العبادة فحسب، بل يريد إنسانًا صادقًا، أمينًا، رحيمًا، صبورًا، عفيفًا، شجاعًا، لأن هذه الأخلاق هي اللبنات التي يقوم عليها أي مجتمعٍ صالح.
ولذلك يقول الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).
وهذه الآية تكاد تختصر منهج الإمام كله.
فقد أدرك عليه السلام أن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل، وأن إصلاح النفوس يسبق إصلاح الواقع، وأن الأمة التي يتغير ما في أنفس أفرادها، لا بد أن يتغير ما حولها، ولو بعد حين.
ولهذا لم يكن الإمام يصنع أفرادًا صالحين فحسب، بل كان يصنع نواة أمةٍ تعرف ربها، وتحمل قيمها، وتستطيع أن تقف أمام الانحراف مهما تبدلت الظروف.
وهنا يظهر الفرق بين الإصلاح الذي يعيش سنوات، والإصلاح الذي يعيش قرونًا. فالأول يغيّر الأحداث، أما الثاني فيغيّر الإنسان.
ولهذا بقي أثر الإمام زين العابدين عليه السلام حاضرًا بعد أكثر من ثلاثة عشر قرنًا؛ لأن ما بناه لم يكن دولةً تزول، ولا حركةً تنتهي، وإنما كان إنسانًا يحمل الرسالة، وينقلها من جيلٍ إلى جيل.
ولهذا لم يمت مشروع الإمام يوم وفاته، لأنه لم يورّث الناس كلمات، بل ورّثهم إنسانًا جديدًا. وهكذا انتصر يوم جعل من الدعاء مدرسة، ومن المدرسة أمة، ومن الأمة حافظًا دائمًا لكربلاء.
ويبقى السؤال
لم يكن الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام يصنع مجتمعًا بالكلمات المجردة، ولا كان يكتفي بأن يعلّم الناس كيف يدعون ربهم.
لقد كان يبني الإنسان الذي يستطيع أن يحمل رسالة كربلاء، ويحفظها من الضياع، وينقلها إلى من يأتي بعده.
ولهذا لم تكن الصحيفة السجادية أثرًا عابرًا في تاريخ الإسلام، بل كانت مشروعًا تربويًا متكاملًا، بدأ بإصلاح القلب، لينتهي بإصلاح المجتمع.
لقد أدرك الإمام أن الطغيان قد ينتصر على الأجساد زمنًا، لكنه لا يستطيع أن ينتصر على أمةٍ امتلأت قلوبها بالله، واستقامت عقولها على الحق، وتربّت نفوسها على مكارم الأخلاق.
ومن هنا لم يكن الدعاء نهاية مشروع الإمام، بل كان بدايته. فبعد أن أعاد بناء الإنسان من الداخل، بقيت خطوة أخرى لا تقل أهمية؛ أن يترجم ذلك البناء إلى سلوكٍ عملي، وعلاقاتٍ اجتماعية، وحقوقٍ تحفظ تماسك المجتمع، حتى لا يبقى الإيمان فكرةً تُقال، بل يصبح حياةً تُعاش.
فكيف أراد الإمام زين العابدين عليه السلام للمؤمن أن يتعامل مع والديه، وأولاده، وجيرانه، وأصدقائه، وخصومه، وحتى مع من أساء إليه؟
وكيف تحولت رسالة الحقوق إلى دستورٍ أخلاقي واجتماعي، يكشف أن الإسلام لا يبني الفرد وحده، بل يبني المجتمع بأسره؟
ذلك ما نتأمله في المقالة القادمة، بإذن الله.





